أحمد عفيفي
سؤال محيّر.. أحاول أن أجيب عنه.. ربما أصبت في الإجابة، وربما أكون كمن يغرد خارج السرب.. لكن في الحالتين.. هو سؤال جدير بالطرح في ظروف هي الأصعب الآن في مصر.. ويعلم الله وحده الى أين سينتهي بنا المطاف.. وماذا تنتظره المحروسة، وقد صارت في يد فصيل واحد.. هو السلطة والسلطان.. هو الجيش والداخلية.. هو الإعلام وهو القضاء.. مفاصل الدولة كلها في قبضة هذا الفصيل.. وأصوات عالية متناثرة هنا وهناك، كثيرة نعم، لكنها لا تملك مقاليد الحكم ولا تريد ان تخرج عن أسمى ما كان في ثورتها، وهي السلمية.. تلك السمة النبيلة التي خلعت رئيسا بحجم مبارك.. لكن يبقى السؤال: هل تستطيع بنفس نبلها وبياض قلبها وسلميتها ان تغير نظاما لم يمض على وجوده 7 أشهر وجاء بانتخابات شرعية.. في وقت يرى الكثيرون من المهتمين بالشأن السياسي وقوى المعارضة انه ارتكب من الأخطاء ما يفقده شرعيته.. وبالتالي فالخروج عليه ومناطحته رأسا برأس أمر واجب بل مفروض إنقاذا من وجهة نظرهم للسفينة التي توشك على الغرق.
أعود للسؤال الذي لا ينفصل كثيرا عما بدأته.. لماذا لم يسعد حكم إعدام 21 متهما في مذبحة بور سعيد، تلك التي راح ضحيتها أكثر من 70 شهيدا.. إلا أهالي الشهداء والالتراس الأهلاوي «رابطة مشجعي النادي الاهلي» الذين وقفوا وقفة مؤثرة ومحذرة جعلت الحكم يأتي على هذا النحو.. بينما لم ينزل هذا الحكم على كثير من المصريين بردا وسلاما.. وكان من الطبيعي جدا ان يفرحوا بالقصاص.. من قتل يقتل.. هذا حق ربنا.. لكن يطل السؤال برأسه.. وهو سؤال موجع وجدير بالطرح أكثر من غيره: لماذا صدر الحكم بالإعدام من أول درجة، بينما الشعب المصري كله يصرخ على شهداء له ماتوا منذ 25 يناير 2011 وحتى اللحظة.. وكل من تم توجيه اتهام له في قضايا قتل المتظاهرين خرج براءة كما الشعرة من العجين.. باستثناء مبارك والعادلي وزير الداخلية، حيث استحى ـ ربما ـ المستشار احمد رفعت ان ينطق ببراءة الاثنين.. فحكم بالمؤبد للمسؤولية السياسية فقط عما حدث.. بينما برأت المحكمة اللواءات الستة الكبار مساعدي وزير الداخلية ومن بينهم رئيس جهاز أمن الدولة نفسه الذي كان المصريون يحلمون بإعدامه هو خصيصا في ميدان عام، الا انه أيضا خرج براءة لعدم ثبوت اى دليل بالادانة ضده وضد اللواءات الآخرين، وهذا ما استند إليه المحامي فريد الديب محامي مبارك والعادلي في طعنه على الحكم الذي تم قبول النقض بشأنه، لتعود القضية الى المربع صفر.. والأمر المتوقع ـ ربما للجميع ـ ان البراءة سيهنأ بها مبارك، وكفاه من وجهة نظر محبيه ومريديه إهانته وسجنه طيلة عامين.
كانت مبررات القضاة في أحكامهم الخاصة بقضايا قتل المتظاهرين ان لا أوراق إدانة في ملف القضية.. كلها أوراق مهلهلة لا تدين «حرامي غسيل»، فما بالك والمتهمون مسؤولون كبار على رأسهم رئيس دولة.. وعشنا على مدار عامين مسلسلا رتيبا ومملا اسمه البراءة للجميع.. بحيث أصبح الحكم معروفا للكافة قبل النطق به.. ولم يعد يحدث نفس الاثر القاسي على النفوس والقلوب من كثرة ما تكرر.
لذلك.. وعودة الى مذبحة بور سعيد.. كان الكثيرون يتوقعون ان يصدر حكم بالبراءة أيضا.. لعدم وجود أدلة دامغة تدين بأحكام تصل الى الإعدام.. فإذا بالقاضي ينطق بإحالة أوراق 21 متهما الى فضيلة مفتي الجمهورية للموافقة ـ غير الملزمة ـ على إعدامهم.. لينطلق السؤال كقنبلة منزوعة الفتيل: ما دام هناك قضاة يستطيعون إصدار أحكام بالإعدام على قتلة ومجرمين.. فأين كانت هذه الأحكام في أكثر من 40 قضية خاصة بقتل الثوار؟.. لماذا كان ملف القضية عند من نطق بالبراءة خاويا من أي أدلة.. بينما في ملف مذبحة بور سعيد كان الملف متخما بكل ما يدين المتهمين إدانة قاطعة لا تقبل الجدال.. بحيث يصدر القاضي حكمه وهو مرتاح الضمير تماما بإعدام 21؟
وقد يلوم النظام البعض بعد هذا الحكم متسائلا: لا براءة تعجبكم ولا إعدام يريحكم.. ماذا تريدون إذن؟.. والسؤال قد يبدو وجيها لكنه خبيث.. فما سبق النطق بالحكم في مذبحة بور سعيد يثير الريبة في النفوس، حيث تقدم النائب العام الذي عينه مرسي بطلب للمستشار الذي يباشر القضية لتأجيل الحكم فيها بعد ان ظهرت أدلة جديدة وأطراف اخرى قد تتم إدانتها.. وتعجّب الكثيرون.. لماذا لم تظهر هذه الأدلة إلا الآن؟! ولماذا ظلت مختبئة في الادراج طيلة عام؟.. هذا إن كانت فعلا هناك أدلة كما يدعي النائب العام.. وما ان استشعر جمهور الالتراس الاهلاوي لعبا وتلاعبا إلا وثار وخرج رافعا شعارات تهدد بحرق البلد ان لم ينطق القاضي بحكمه في هذه القضية.. فصدر حكم يرضيهم ويرضي بالقطع أهالي الشهداء.. إلا انه أثار غضب شعب مدينة بور سعيد وخرجوا في مظاهرات عارمة في مواجهة غير متكافئة مع الشرطة فمات منهم 30 ورجل شرطة واحد.
ولاتزال القضية مشتعلة اشتعالا لن ينطفئ بسهولة، حيث يظن «البورسعيديون» ان هذا الحكم «مسيس» جاء عليهم هم تحديدا لتجنب غضبة الالتراس في القاهرة الذين ان لم يعجبهم الحكم كانوا انضموا وبسرعة لصفوف الثوار في ميدان التحرير، مما يعجز أجهزة الشرطة عن المواجهة مثلما حدث في 28 يناير 2011 فيما عرف وقتها بجمعة الغضب.
على أي نحو ستنتهي الأمور.. وماذا تنتظره المحروسة في هذه الأجواء المشحونة غضبا وبغضا وكراهية؟.. الله وحده يعلم.