Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
مصر ـ روسيا «غرام مستجد» في «غفلة أميركية»
22 نوفمبر 2013
المصدر : بيروت

بسرعة قياسية استعادت روسيا مكانتها في مصر التي تعد أحد أهم الشواطئ الدافئة أمام أعين الروس. واللافت الفترة الزمنية القصيرة جدا التي جعلت مصر تنظر إلى روسيا باعتبارها حليفا جديدا محتملا، والمسار الذي تسلكه هذه العملية يبدو أكثر غرابة. فقد خط الشارع المصري بداية هذا التقارب عبر الضغط على حكومة بلاده لتوطيد العلاقات مع روسيا، وكانت «الديبلوماسية الشعبية» داعمة للتحركات الرسمية للمضي قدما في هذا الطريق. ففي 26 يوليو الماضي رفع عدد من المصريين صورا ضخمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال تظاهرات التفويض الشعبي للفريق أول عبدالفتاح السيسي، وبدا كأنه مجرد رد فعل عفوي على الدعم الأميركي لنظام الرئيس محمد مرسي واتخاذ الإدارة الأميركية مواقف معادية لـ «ثورة 30 يونيو». منذ ذلك الوقت جرى الحديث عن زيارة مرتقبة لبوتين إلى القاهرة نفتها موسكو، ودفع الانحياز الشعبي في مصر لروسيا الأمور بسرعة نحو توطيد غير مسبوق في العلاقات الثنائية.
ظهر الاهتمام الروسي بمصر بقوة عقب الإطاحة بمرسي، وبدءا من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي في سبتمبر الماضي. في هذه الأثناء (منذ أربعة أشهر) كانت الولايات المتحدة قد ألغت التدريب العسكري المشترك مع مصر (مناورات النجم الساطع) وهددت بتقليص المساعدات المالية العسكرية عقب الإطاحة بنظام الرئيس مرسي، فأبدت موسكو تفهما للتغيرات الحالية. وفي منتصف أكتوبر الماضي، كشف عن زيارة رئيس الاستخبارات الحربية الروسي إلى مصر. وبعد ذلك، بدأت معلومات تتحدث عن صفقة تسلح روسية لمصر بنحو أربعة مليارات دولار.
وقبل أسبوعين، قام وزير الدفاع سيرغي شويغو ووزير الخارجية سيرغي لافروف بزيارة إلى القاهرة، واكتسبت هذه الزيارة التي بحثت في مسائل تتعلق بالتعاون العسكري والتقني وتعميق العلاقات السياسية والاستراتيجية والعسكرية وإبرام أكبر صفقة سلاح بين الجانبين المصري والروسي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، دلالات وأهمية كبيرة، خاصة أنها زيارة تاريخية وتعد الأولى من نوعها في تاريخ الصداقة بين الجانبين، ولأنها تأتي في خضم توتر واسع بين مصر وواشنطن، وتتزامن ومحاولات موسكو تعزيز حضورها في المنطقة وحشد دعم إقليمي لمؤتمر «جنيف 2» لسورية.
روسيا هي صاحبة مبادرة مد الجسور مع مصر، ومصر رحبت بها، الأمر الذي فتح الباب لاستعادة الدفء في علاقات البلدين. ولكل طرف أسبابه في تحركه نحو الآخر:
على الجانب الروسي تمثلت الأسباب في العوامل التالية:
٭ حرص الرئيس فلاديمير بوتين على إثبات حضوره في الساحة الدولية. لقد أدرك بوتين رغم ضعف موقفه الداخلي أنه خارجيا أصبح في موقف أقوى سواء لإدراكه أن الولايات المتحدة غارقة في تداعيات ورطتها في أفغانستان والعراق، أو لأنه حقق انجازا دوليا مهما حيث تدخل لوقف الحملة العسكرية الأميركية ضد سورية، أو لأنه بمساندته لسورية أصبح ظهيرا مهما لإيران.
٭ إدراك موسكو أن العالم العربي والشرق الأوسط عموما تراجعت أهميته في الاستراتيجية الأميركية التي أصبحت معنية أكثر بصعود الصين والتغيرات الحاصلة في آسيا. وهي الخلفية التي شجعت موسكو على محاولة استعادة موقعها في العالم العربي، خصوصا أن علاقاتها الخاصة بسورية مكنتها من الإسهام في صياغة معادلات المنطقة وتوازناتها. وتاريخيا فإن دور القاهرة في الذاكرة الروسية يتجاوز بكثير حضور سورية.
٭ روسيا تخوض معركة داخلية ضد الحركة الإسلامية لنفوذها في منطقة القوقاز والشيشان وداغستان وانجوشيا، كما أن حملتها مستمرة مع ما تسميه بالإرهاب الإسلامي. وهي وجدت في الأجواء الراهنة فرصة للتعبير عن تضامنها مع النظام القائم في مصر الذي تبنى خطابا أعلن فيه أنه يخوض معركة مماثلة.
٭ روسيا ستستفيد من التعاون العسكري مع مصر لتسويق السلاح مرة أخرى إلى الشرق الأوسط. بمعنى أن عودة الروس الى السوق العسكرية المصرية من بابها العريض يعزز محاولات موسكو لرفع نسبة منتجاتها وتوسيع دائرة زبائنها. فروسيا تستحوذ على نسبة 30% من حجم تجارة السلاح في العالم وتحتكره شركات تابعة للدولة، وحجم الجيش المصري يغري بفتح سوق جديدة وكبيرة، فهو من بين أكبر 15 جيشا من حيث التسليح وأعداد الجنود في العالم.
٭ روسيا ترى في مصر حليفا وشريكا ومفتاحا للدخول الى جميع الملفات العربية. والتقارب السياسي بين روسيا ومصر لابد من أن ينعكس على ملفات المنطقة، خصوصا أن موسكو لاتزال تعول على دور ايجابي وريادي لمصر في البحث عن حلول سياسية للأزمة السورية، بغض النظر عن الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها القاهرة على المستوى السياسي.
٭ الروس يريدون العودة بقوة الى الشرق الأوسط، وبهذا يمكن مصر أن تشكل جسرا أساسيا لهم. ولدى موسكو تطلعات وطموحات لتوسيع مواطئ أقدامها في ساحل المتوسط في الشرق الأوسط، وحماية مصالحها المتنامية في منطقة، خصوصا أنها من أكبر الاقتصادات النامية، وقد حققت خلال العشر سنوات الأخيرة نموا مقداره 7%. وتزامن ذلك مع نمو سريع للطبقة المتوسطة، إضافة إلى النمو في قطاع النفط والغاز. وهذه المدخلات الاقتصادية لابد أن تتواكب مع نمو في الدور السياسي، وهذا ما يمكن مشاهدة آثاره حاليا في المنطقة العربية.
أما على الجانب المصري فيمكن الإشارة إلى العوامل التالية:
٭ إن عدم ارتياح مصر لموقف الإدارة الأميركية شجعها على التفكير في تحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية، وكان التقارب مع روسيا من بين الخيارات المطروحة على أن تعقبها خطوات أخرى باتجاه إيصال الجسور ذاتها مع دول أخرى مثل الصين والهند والبرازيل.
٭ إن مصر تعتبر أن ثمة فرصا واسعة للتعاون مع روسيا في مجالات أخرى تتراوح بين المنافع الاقتصادية (روسيا تصدر الى مصر القمح والسياح) والمفاعلات الذرية.
٭ سعي القاهرة الى مساعدة عسكرية تلبي حاجاتها الأمنية (تفكر في إنفاق أربعة مليارات دولار على شراء أسلحة متطورة من روسيا)، بعد تعليق واشنطن جزءا من المساعدات والمعدات العسكرية، وفي إطار سياسة تنويع مصادر التسلح والدعم.
٭ إن مصر لا تنوي أن تستبدل روسيا بحليفتها الاستراتيجية، لكن لا شك في أنها تريد بواسطة روسيا أن تقول ان لديها خيارات أخرى وأن تزيد مجال مناوراتها السياسية والعسكرية أكثر مما اعتادت عليه منذ اتفاق السلام مع إسرائيل في 1979، ومنذ أن استقر رأيها على أن الولايات المتحدة هي المزودة وحدها لمصر بالسلاح، وراعيتها السياسية أيضا. القاهرة لديها رغبة حقيقية في توسيع خياراتها وعلاقاتها الدولية، بعد أن أصبحت أكثر حرية في اتخاذ قراراتها، وستنعكس هذه الرغبة على سياستها الخارجية مستقبلا، ولا يعني بالضرورة استبدال أحد بأحد.
القاهرة لا تناور بهذه العلاقات، ولكن من الصعب إعادة عجلة الزمن إلى الوراء وافتراض أن العلاقة التي كانت قائمة في الخمسينيات والستينيات مرشحة للعودة، لسببين: الأول أن القاهرة وموسكو اليوم مختلفتان عن الستينيات، والثاني أن الحرب الباردة انتهت، وطريقة إدارة العلاقات الأميركية ـ الروسية أصبحت مختلفة، في إطار تشابك المصالح بين قوتين عظميين لا يوجد الخلاف الأيديولوجي السابق بينهما، ولكن خلافات مصالح يمكن المساومة حولها.
لا شك في أن نجاح انطلاقة العلاقات مجددا بين روسيا ومصر، بحسب السيناريوهات التي رسمها الطرفان، سيعرقل بعض خيوط التواصل والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة الاميركية التي خسرت كثيرا من رصيدها خلال عملية عزل الرئيس محمد مرسي وبعدها، من جراء تخبطها في مواقف متناقضة لم تنتج سوى سوء تفاهم مع القيادة المصرية الجديدة، وقد يكون عدم الاستقرار في السياسة الاميركية في المنطقة هو ما دفع القاهرة الى التحول نحو روسيا، لكن قصة الغرام الروسية ـ المصرية لن تؤدي الى القطيعة بين مصر والولايات المتحدة.