ترجمة وإعداد: محمد البدري
اعتبر تقرير إسرائيلي حديث قامت «الأنباء» بترجمته، انه وعلى الرغم من مرور أكثر من 3 سنوات على صعود عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم، الا ان الوضع السياسي المصري ما زال يواجه مشكلات عويصة، بعضها تضرب بجذورها إلى سنوات ماضية، والبعض الآخر ظهر خلال السنوات الأخيرة إثر التغيرات الكاسحة التي شهدها الشرق الأوسط.
التقرير الذي حمل عنوان «المسح الاستراتيجي السنوي لإسرائيل (2016 ـ 2017)» وقام بتحريره الباحثان عنات كورتس وشلومو بروم من معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي المقرب من دوائر صنع القرار والاستخبارات في إسرائيل، فيما قام الباحث إفرايم كام بإعداد فصل كامل في التقرير المذكور عن مصر بعنوان: «مصر: كفاحات نظام السيسي»، لخص التحديات التي تواجه قيادة الرئيس السيسي في 3 مجالات مترابطة مع بعضها البعض وهي: المجال السياسي لاسيما الحاجة إلى الحفاظ على وضعية الحكم في مواجهة خصومه السياسيين، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان الإرهابية، والمجال الأمني خاصة الحرب ضد الإرهاب المتنامي ولاسيما الحرب ضد الجماعات الجهادية، والمجال الاقتصادي خاصة الحاجة إلى تقوية الاقتصاد المحلي والمتأثر بتداعيات المجالين السابقين.. وفيما يلي استعراض لأهم ما تضمنه التقرير:
أولا: حكم السيسي.. والإخوان
بعد عام من وصولها إلى الحكم، فقدت جماعة الإخوان، ثقة الرأي العام، وأجبرت على دفع ثمن أخطائها عبر إزاحتهم عن السلطة في يونيو - يوليو 2013.
وبرغم حداثة عهد السيسي في الساحة السياسية، الا انه حظي بتأييد شعبي ضخم، وزاد الآمال في قدرته على بناء حكم سياسي مستقر وفعال وكانت أولى المشكلات التي تعين على السيسي مواجهتها، هي التهديد الذي يمثله الإخوان التي ادعت أنها «الضحية» وانها أزيحت عن السلطة بأدوات غير شرعية وهذه القناعة، جعلتها ترفض كل الحلول الوسطية للتصالح وقادها إلى المواجهة مع الدولة.
وفي المحصلة، وجد الإخوان أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة وأنهم لا يعرفون كيفية التعامل معه والخروج منه، فمواصلة العنف ترتب عليه مزيد من الخسائر وربما يكون بعض أفراد الجماعة منضمين أو مرتبطين بالتنظيمات الإرهابية التي تنشط في شمال سيناء والمدن المصرية الأخرى لتجسيد الكفاح المسلح لتحقيق رسالتهم بعودة شرعية محمد مرسي للحكم.
ثانيا: الحرب على الإرهاب
منذ الاضطرابات التي أطاحت بنظام حسني مبارك في 2011، شهدت مصر أسوأ موجة إرهاب في العقود الأخيرة وتضمنت الأنشطة الإرهابية التي تهدد أمن مصر 3 أنواع هي: إرهاب التنظيمات في شمال سيناء والعنف الإرهابي في بقية أرجاء مصر، خاصة في مراكز المدن والنشاط الإرهابي في ليبيا، والذي يلقي بتداعياته على مصر، من خلال تهريب السلاح إلى التنظيمات التي تنشط داخليا.
ويعد النوع الأول هو الأكثر خطورة، فقد شهدت شبه جزيرة سيناء أنشطة إرهابية وازداد الأمر خطورة، مع صعود تنظيم داعش على الساحة العالمية، وتعد جماعة «أنصار بيت المقدس»، هي أكثر التنظيمات خطورة في سيناء، والتي تهاجم البنية التحتية، والأهداف العسكرية والأمنية بما في ذلك أفراد الشرطة والجيش، لاسيما في رفح، والشيخ زويد، والعريش، كما تهاجم السياح في جنوب سيناء، بغرض تدمير الاقتصاد والأمن في سيناء وفي نوفمبر 2014، أعلنت مبايعتها لتنظيم داعش، وغيرت اسمها إلى «ولاية سيناء» وتضم هذه الجماعة في صفوفها أبناء من قبائل سيناء، وأعضاء سابقين في حركة «حماس» من قطاع غزة، ومتطوعين أجانب قدموا من خارج مصر.
وبشكل عام، ينظر إلى أنشطة الإخوان والهجمات الإرهابية في سيناء والبلاد عموما، والتنظيمات الإرهابية في غزة، والجماعات الإسلامية المسلحة في ليبيا، باعتبارها كيانا واحدا، متماسكا، ومتصل الأركان، ويصفها بانها «تحديات الإسلام الراديكالي».
ثالثا: المأزق الاقتصادي
ظل الاقتصاد المصري يعاني منذ عقود من مشكلات وظيفية، زادت من ضعفه، ومن أهمها: ارتفاع معدل النمو السكاني، وتركز الكثافة السكانية في الدلتا ووادي النيل مما أدى لمحدودية الزراعة والإنتاج، والتدخل الحكومي الكبير في عمليات التصنيع والتسويق، وعجز الميزانية العامة المترافق مع ارتفاع حجم الدين الداخلي، وإحجام الحكومة عن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية خشية إثارة الرأي العام المحلي، ومنذ سقوط نظام مبارك، عانى الاقتصاد المصري من مشكلات إضافية، أهمها: الصراع السياسي الداخلي، موجة الإرهاب التي أثرت على السياحة والمرافق الاقتصادية، وافتقار الحكومات الجديدة للخبرة، وإحجام العديد من الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مصر بسبب انعدام الرؤية والتوتر الأمني.
ولكن 2015، مثل أول عام يتحقق فيها نمو مهم، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى 4.2%، وجاء هذا النمو كنتيجة مباشرة لاستثمارات وقروض ومنح تلقتها مصر من دول الخليج، الأمر الذي ساهم في تدفق أموال كبيرة للخزانة المصرية، وإلى منح ضمانات نقدية وائتمانية واستثمار مليارات الدولارات في القطاع الخاص داخل مصر.
وبالرغم من ذلك، فإن المشكلات الاقتصادية الرئيسية لم تحل، كما أن بعض المؤشرات الاقتصادية السلبية لم تتحسن.
رابعا: استقرار حكم السيسي
وعقب انتهاء عرض التحديات الثلاثة لحكم السيسي، عرج التقرير إلى جزئية مهمة للغاية تمثلت في الوضع السياسي، موضحا أن ظهور السيسي على الساحة السياسية وإزاحة نظام الإخوان الإرهابي عن الحكم، قوبل بموافقة واسعة من المصريين، كما ان إزاحة الإخوان من السلطة تمت بواسطة تحالف فضفاض ضم الجيش، والقوى الليبرالية، ورجال الأعمال، والحرس القديم من نظام مبارك، وقد كان القاسم المشترك لهؤلاء جميعا هو دفع الإخوان بعيدا عن الحكم، بينما لم تكن لديهم أهداف مشتركة أخرى، فلم يكن لدى الشركاء في هذا التحالف رؤية مشتركة بشأن كيفية إعادة الأمن والنظام، أو تحسين أوضاع الاقتصاد المصري.
وقد ولدت المواجهة مع الإخوان والحرب ضد الإرهاب، قناعة لدى السيسي ومؤيديه بأنه من الضروري اللجوء لاستخدام القوة، بما في ذلك التوسع في اعتقالات العناصر الإرهابية، وشن عمليات عسكرية في سيناء، وقمع النشاط السياسي المعادي، وغيرها من إجراءات الطوارئ.
ولكن مع تواصل موجة الإرهاب، وسوء الأوضاع الاقتصادية وانتقاد القوى الليبرالية التي كانت مؤيدة للسيسي من قبل، بسبب ما اعتبرته قمعا سياسيا يزيد بكثير مما هو مطلوب، وهو الأمر الذي أصبح يطول أعضاءها أيضا أحيانا، تساءل التقرير: هل يواجه حكم السيسي خطر الانهيار؟
وأجاب التقرير بان هناك بعض العوامل التي تدعم استقرار حكم السيسي وتساعده على البقاء، وهي:
1 ـ أن السيسي جاء للحكم عبر تأييد شعبي عام، وعلى الرغم من تناقص جانب من هذا الدعم، ما زال هناك أمل في مصر بأن السيسي سيقوم بتحسين الأوضاع، فضلا أنه لا يوجد بديل ملموس في الساحة السياسية ليحل محله في الوقت الراهن.
2 - الجيش هو القوة السياسية الأقوى في البلاد، وبالرغم من الانتقادات فإنه يؤيد السيسي وعلى أي حال، فقد أدى فشل حكم الإخوان الإرهابية، إلى توحيد غالبية الرأي العام ضد الجماعة، ولم تعد هناك فئة قليلة هي التي ترغب في عودة النظام الإسلامي إلى الحكم مجددا.
3 - على الرغم من الوضع الاقتصادي غير الجيد، ما زالت هناك آمال في الإصلاح وتظل المساعدات المالية الخليجية مصدرا مهما في هذا الجانب وأحيانا يغامر البلد بركوب موجات التوقعات العالية، كما حدث في مشروع قناة السويس الجديدة، واكتشافات احتياطيات الغاز الطبيعي أمام سواحل مصر في البحر المتوسط.
4 - تساهم النتائج الكارثية للتطورات الجارية في سورية، وليبيا، والعراق، واليمن، في كبح معارضي السيسي على الإقدام على محاولة إزاحته، لذلك، فإن تقييم المشهد العام الراهن في مصر بين مؤيدي النظام الحالي هو أنه «لا» توقعات بحدوث انتفاضة شعبية، أو قرب وقوع زلازل سياسية خطيرة.
وفي نفس الوقت أشار التقرير إلى أن هناك عوامل مهددة لاستقرار حكم السيسي، أهمها:
1 ـ أنه في حال أصبح الوضع الاقتصادي أكثر سوءا، فإن المشكلات السياسية ستتفاقم، وأحد الأسباب المحتملة للتأثير السلبي على الوضع الاقتصادي في مصر، هو تخفيض حجم المساعدات الاقتصادية التي تقدمها دول الخليج.
2 ـ حدوث انشقاق في القيادة العليا للنظام والجيش، فمن الناحية العملية، قد يدفع عدم حسم المواجهة في الحرب ضد الإرهاب، القيادات العليا في القوى الأمنية للإقدام على تغيير قيادة النظام السياسي، بدعوى عدم قدرة القيادة الحالية على الاستجابة لتوقعات الشعب.
والمحصلة النهائية، هي «لا» مؤشرات ظاهرة للعيان على أن حكم السيسي سينهار حاليا، إذ إن العوامل التي تعمل في صالحه تفوق نظيرتها التي تهدد بقاءه، لكن، من أهم الدروس المستفادة من دول الربيع العربي في عامي 2011 و2012، بما فيها مصر، أن الانهيار الداخلي يمكن أن يحدث بسرعة ودون مقدمات كثيرة ظاهرة، أضف إلى ذلك، أن التوقعات الضخمة غير المحققة قد تدفع إلى إحباطات بالغة، وقد تقود إلى عدم استقرار، وفي حال حدثت هذه التطورات فإنها لن تكون من قبل الجماعات الإرهابية، ولكن بدرجة أكبر في أوساط العسكريين والشباب.
خامسا: التداعيات بالنسبة لإسرائيل
وأوضح التقرير أن عهد السيسي يعد حقبة جيدة في العلاقات المصرية - الإسرائيلية، من حيث احترام مصالح كلا البلدين على نحو أفضل مما كان في السابق، حتى ان مصادر إسرائيلية قالت إن هذه العلاقات لم تكن أبدا أفضل مما هي عليه الآن.
ونقطة البداية في تحسن هذه العلاقات، تتمثل في زيادة التعاون الأمني بين الجانبين وجاء التغير الأكبر والأهم في هذا الصدد استنادا إلى تعاظم الهجمات الإرهابية في سيناء وبقية أنحاء مصر، فقد ساندت إسرائيل الجهود المصرية للقضاء على الإرهاب في سيناء، وذلك من خلال موافقتها على نشر قوات وأسلحة للجيش المصري بما يزيد عما هو منصوص عليه في البروتوكول العسكري الملحق بمعاهدة السلام بين البلدين، كما أمدت إسرائيل القاهرة بمعلومات استخباراتية عن أماكن تمركز الإرهابيين، كما تلقي إسرائيل بثقلها لدى واشنطن لرفع الحظر الذي فرضته الأخيرة على الأسلحة والمعدات العسكرية التي كانت تقدمها لمصر، وذلك عقب إزاحة مرسي عن الحكم.
من جهة أخرى، ترجم التحسن في العلاقات بين مصر وإسرائيل، في اتجاه السيسي إزاء معاهدة السلام بين البلدين، حيث اعتبرها رصيدا استراتيجيا، بل إن السيسي أظهر مزيدا من التوجه الإيجابي بشأن التطبيع، والتأكيد على المنافع السياسية والاقتصادية وليس فقط الأمنية للمعاهدة بالنسبة لمصر، كما برزت الأهمية الكبرى لموقف مصر تجاه «حماس»، حيث اعتبرها منظمة إرهابية وعدوة، لاسيما ذراعها العسكرية ممثلا في كتائب عز الدين القسام، كما أعيد السفير المصري إلى إسرائيل في مطلع 2016، وفي يوليو من العام ذاته، قام وزير الخارجية سامح شكري بزيارة لإسرائيل كانت الأولى من نوعها خلال 9 سنوات، كذلك، أبدا اهتماما متواصلا للاتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل، لإنجاز تسوية اكثر منها رغبة لممارسة الضغط على إسرائيل.
غير أن ما ينبغي ملاحظته، هو أن توجه السيسي لتقوية التعاون مع إسرائيل، لا يعكس بالضرورة الاتجاه الغالب في مصر، لاسيما بين التنظيمات الإسلامية، واتحادات العمال، واليساريين، والناصريين، وبعض النخب المثقفة والـطلابية، الـتي تكره إسرائيل.