سألني صديق لماذا تكتب ذكرياتك تحت باب الصندوق الأسود؟
يا صديقي الصندوق الأسود هو ذاكرة أي طائرة موجود به كل معلومات الرحلة من لحظة الإقلاع الى لحظة الهبوط ليسجل كل ما تمر به هذه الرحلة من أحداث ويسجل الارتفاعات والانخفاضات والمطبات والمحادثات.
وانا اعتبر نفسي في هذه الحياة في رحلة طالت أم قصرت ولكنها في النهاية رحله.. فيها اقلاع وهبوط.. وفيها مطبات هوائية وعواصف.. وبها محطات سفر ووصول.. وهذه الرحلة يا عزيزي هي خلاصة حياتي وتجاربي على مدى سنوات امتدت الى ما بعد الستين بخمس.. ولا ادري متى يكون الهبوط الاخير.
وفي صندوقي الأسود كل إحداثيات هذه الرحلة، بعضها واضح شديد الوضوح وبعضها يبدو أحيانا مشوشا ولكنه في النهاية مسجل في صندوقي الأسود.
وبعد كل حادثة جوية نسمع ان الخبراء بدأوا بحثهم عن الصندوق الأسود لمعرفة ما جرى.. ولكني اعود الى صندوقي الاسود لاخذ العبرة مما جرى واحيانا لافهم ما جرى ولماذا جرى.
في صندوقي الاسود عواصف وهبوط اضطراري ولكنه ايضا يحوي اياما مشرقة ورحلات مشوقة.. تعلمت من الاحداث وتعلمت الكثير ممن التقيتهم، تعلمت ان اخذ الجيد من تحاربهم وان اتجنب السيئ.. سبرت اغوار بعض النفوس البشرية وازعم اني تعمقت احيانا في دراسة بعض النفوس. ابهرني البعض ببساطتهم ونقائهم وابهرني البعض أيضا بخستهم وشرورهم ولكنها في النهاية رحلة عبر الزمان والمكان.. وما زالت هذه الرحلة تقلع وتهبط إلى أن يشاء المولى.
وأود ان أشير في النهاية الى أن هذا الصندوق في واقع الأمر يطلق عليه الصندوق الأسود لكن في الحقيقة هو برتقالي اللون.. وعمتم صباحا مشرقا يا قوم.
الى لقاء يتجدد الخميس المقبل