سألني أحد الأطباء المتدربين «لماذا أصبحت جراحا؟» السؤال كان مباغتا..
ولكنه أعادني إلى عام ١٩٧٣ حين كنت طالبا في السنة الثالثة في كلية الطب.. في ذلك الوقت قررت ان اكون جراحا.. شغفي بالجراحة بدأ في تلك السنة وحبي لهذه المهنة ولد في ذلك الوقت ولم اكن ادري وانا في تلك السن الصغيرة انها مهنة المتاعب التي لا تنتهي. اذكر عند دخولي إلى غرفة العمليات للمره الأولى في عمليات الطوارئ بالمستشفى الجامعي بالاسكندرية وانا في السنة الثالثة وكان احد الجراحين المهرة (الدكتور محمد جمال) يعالج مصابا في حالة دهس اني لم اشعر بنفسي الا مستلقيا خارج غرفة العمليات ومن حولي بعض الممرضات في محاولة افاقتي.. وخرج د. محمد جمال ونظر الي وضحك وقال «صعب انك تبقى جراح»
... يشاء القدر ان اتخرج وشغفي بالجراحة يزداد واختارها مهنة للحياة.. ويشاء القدر انه في احدى النوبتجيات يصاب زميلي المناوب بكسر مفاجئ وانزل لأحل محله دون ضجة ودون ابلاغ رئيس الفريق الذي كان ايضا د. محمد جمال.. وجاء لتفقد الأحوال في منتصف الليل ليجدني محل زميلي في غرفة العمليات وقال لي «خير يا محمد فين فلان؟» رويت له ما حدث فضحك وربت على كتفي وقال لي «فاكر اول يوم لك في العمليات؟» وكان ردي: «هي دي حاجه تتنسي؟» قال لي «آسف انا كنت غلطان» قلت له الكلام ده مر عليه ٤ سنوات يا د.محمد..
ان تكون جراحا تعني انك تكون تحت الطلب طيلة حياتك.. انك تتعلم ان تختطف لحظات النوم ان تكون مستعدا لأحداث غير متوقعة.. ان تكون رابط الجأش.. سريع القرار.. لديك ثبات انفعالي قوي... ان تكون سريع التصرف.. ان تواكب العلم والتقدم.. ان تكون جراحا تعني ان تكبت انفعالاتك النفسية امام المواقف الإنسانية الصعبة وان تطرح عواطفك جانبا... وان تجهش بالبكاء حين تكون وحيدا.. حتى تستطيع ان تكمل مسيرة حياتك.. ان تكون جراحا عليك ان تكون ماهرا.. قوي الملاحظة... ان تكون لديك ملكات القيادة... والحسم.. والتحمل.. ان تكون جراحا يجب ان تعلم انك قد تخليت عن حياة اجتماعية مستقرة.. وان تكون مستعدا للعمل في ساعات الليل الأخير.. وان تتحمل انفعالات الآخرين.... عليك فوق كل ذلك ان تكون انسانا..... شكرا لكل تلك الليالي التي لم أذق فيها طعم النوم... شكرا لتلك الأيام التي اصابني فيها التعب والإرهاق... شكرا لكل من علمني ووقف بجواري من اساتذتي... شكرا لكل مريض على يديه تعلمت معني الصبر... ولو لم اكن جراحا لوددت ان اكون جراحا
والى لقاء يتجدد الخميس المقبل.