ازعم أني من المحظوظين، فلقد أدركت والداي شيخين كبيرين.. بعد ان بلغا من العمر عتيّا... وازعم ان الله قد استجاب لدعاء احد أصدقائي حين قال «متعك الله بهما ومتعهما بك» وهو دعاء وأمنية جميلة من صديق عزيز.
لذا أحببت ان اروي لكم عن بعض ملامح طفولة الشيخوخة.. وهي المرحلة التي يتحول فيها الابن أو الابنة أبا لأبيه وأمه أو أما لأبيها وأمها وهي لا تخلو من مشاعر أحيانا متناقضة واحيانا عميقة وجميلة.
يبدأ التغيير طفيفا وهو نتيجة تغيرات دائما بيولوجية تصيب المخ من بعض القصور في الدورة الدموية أو بعض الجلطات الصغيرة التي قد لا يظهر تأثيرها طبيا ولكن تبدو كتغيرات طفيفة في الشخصية والتصرفات وقد تبدو هذه التصرفات للوهلة الأولي غريبة عن شخصية صاحبها.. فمثلا يبدأ التعلق اكثر بوجود الابن أو الابنة.. واحيانا تسمع نفس القصة اكثر من مرة مع بعض السهو والنسيان.. ثم يبدو الأمر وكأنه خوف من الوحدة ومن المجهول، ومع مرور الوقت تجد أن محور الحياة قد بدأ يتقلص وان الاهتمامات بنواحي الحياة تقل تدريجيا وان ساعات النوم تطول وان ساعات الصمت اكثر وتشعر في قبضة اليد بالتمسك بالبقاء والبحث عن الأمان، وان لغة العيون تصبح لغة نقل المشاعر.. وقد تنتابهم بعض نوبات الخوف المفاجئ.. دون سبب.
مرحلة طفولة الشيخوخة تستدعي تفهما من الأبناء.. واحتمالا اكثر ومحاولة طمأنة ذويهم بشتي الطرق.. تحتاج إلى صبر أطول ووقت أطول.. تحتاج إلى محاولة إشراكهم بقدر المستطاع وبقدر تقبل وعيهم لأحداث الحياة.. فلا تنفعل يا عزيزي لو سمعت نفس القصة عدة مرات ولكن تظاهر بأنك تسمعها لأول مرة بنفس الاهتمام.. ولا تبدي ضيقا إذا لاحظت إهمالا في المظهر أو الملبس ولكن حاول بقدر من اللطف تعديل ما تراه وببساطة.. لا تضغط عليهم في مقابلة أشخاص هم لا يودون مقابلتهم بل أوجد لهم الأعذار.. حاول أن تضفي عليهم من حنانك بقدر الإمكان.. حاول أن تشرك أحباءهم في العناية بهم بقدر الإمكان وستلحظ فرحتهم بوجود هؤلاء الأحباب وخصوصا الأحفاد.. وفي النهاية لا تنسهم من دعواتك في طفولة شيخوختهم (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) ـ 24: الإسراء.
وإلى لقاء يتجدد الخميس المقبل.