محمد بدري عيد
تمر اليوم، الذكرى الـ 50 على حرب 1967 والتي تتصادف مع الذكرى الـ 44 لحرب العاشر من رمضان- السادس من أكتوبر المجيدة، حيث يمثل هذين الحدثين نقطة تحول فارقة للأمن القومي المصري، بمرتكزاته وجوهره.
وقد شهدت معطيات البيئة الإقليمية لأمن مصر القومي على مدار العقود الخمسة الماضية، تحولات جذرية تفرض تحديات جمة غير مسبوقة، تستوجب بلورة استراتيجية مرنة وفعالة قادرة على التصدي لها بالكيفية الملائمة وفي التوقيت المناسب، بما يصون هذا الأمن، ويحفظ أركانه، ويعزز هيبته. بعد أن أزالت مصر آثار العدوان عقب انتهاء حرب الخامس من يونيو 67، شرعت مباشرة في خوض حرب الاستنزاف التي امتدت حتى عام 1969، ومهدت لحرب «أكتوبر- رمضان» المجيدة.
وكان من أبرز نتائج معاهدة السلام عام 1979، أن تحولت إسرائيل من تهديد مباشر للأمن القومي المصري إلى خطر محتمل، بمعنى عدم وجود نية لمواجهة عسكرية بين الجانبين.
وعلى مدار العقود الماضية، حرصت القاهرة على الوفاء بالتزاماتها في معاهدة السلام، جنبا إلى جنب مع مواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية بمختلف أنواعها، إيمانا منها بأن السلام الراسخ هو «سلام الأقوياء»، القائم على الندية والتكافؤ والقدرة الرادعة.
من منظور استراتيجي واسع، يواجه الأمن القومي المصري بعد 50 عاما من حرب 67، و44 عاما من حرب «أكتوبر- رمضان» 73، مخاطر ضخمة نابعة من التغيرات الجوهرية الحاصلة في البيئة الإقليمية، والتي لم تكن موجودة قبل نصف قرن من الآن، أو على الأقل كان بعضها في إرهاصاته الأولى.
وتتمثل أهم هذه التهديدات في التالي:
- امتلاك قوى إقليمية قدرات نووية تهدد بتغيير جوهري في موازين القوى القائمة في المنطقة(إسرائيل وإيران).
- تعاظم تهديدات التنظيمات الإرهابية، وترابطها في شكل شبكات معقدة وممتدة جغرافيا، إقليميا ودوليا، وفي مقدمتها: تنظيم «داعش».
- تفشي الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي في دول تقع ضمن دوائر الأمن القومي المصري المباشر وغير المباشر، (ليبيا، العراق، سورية، واليمن)، وذلك على نحو يهدد بتحولها إلى «دول فاشلة».
- بروز تهديدات الأمن «السايبري»، وحروب الجيل الرابع التكنولوجية.
وفي مقابل هذه المهددات، ثمة معززات موضوعية للأمن القومي المصري، تجعله قادرا على وضع المخاطر في حدها الأدنى.
ومن أبرز هذه المعززات: الموقع الجغرافي الاستراتيجي الحاكم، الوفرة البشرية، الموارد المتنوعة، القوة الناعمة (الحضارية والثقافية)، الثقل الاقليمي، الخبرة التاريخية الإيجابية في دوائر السياسة الخارجية الرئيسية (العالم العربي، افريقيا، العالم الاسلامي).
صفوة القول فإن مصر بعد 50 عاما على حرب 67 و44 عاما على حرب 73، لا تعاني انكشافا استراتيجيا أمنيا بالمعنى العسكري التقليدي، كما أنها لا تواجه تهديدات تمس سيادتها وسلامة اراضيها، ولكنها في الوقت ذاته تجابه تحديات ماثلة ومحتملة، تشكل مخاطر عالية قد تمس مرتكزات دورها القيادي الإقليمي ودوائر أمنها القومي، وهو الأمر الذي يقتضي مزيدا من اليقظة وكثيرا من العمل.