فجرت مصر في غضون أيام مفاجأتين أحدثتا دويا سياسيا رغم الصخب الدائر في المنطقة، وخصوصا في سورية والعراق، وشكلتا خرقا نوعيا في مسار المنطقة واقتحاما مصريا للمشهد الإقليمي من الباب العريض:
1- المفاجأة الأولى تمثلت في توصل القاهرة الى ترتيب اتفاق بين «فتح» و«حماس» من شأنه أن ينهي عشر سنوات من الانقسام الفلسطيني ين منطقتين (الضفة وغزة) ومشروعين (السلام والمقاومة).
وهذا الاتفاق لم يكن ليحصل لولا تنازلات قدمتها «حماس» التي أعلنت حل اللجنة الإدارية في غزة (حكومة «حماس» التي تدير القطاع)، ودعت حكومة محمود عباس الى ممارسة عملها في القطاع، كما وافقت على إجراء الانتخابات.
ولم تكن «حماس» لتقدم على هذه التنازلات لو لم تكن في وضع صعب تعاني فيه ضائقة اقتصادية مالية وسياسية ودولية (تصنيفها تنظيما إرهابيا)، إضافة الى علاقتها غير المستقرة مع إيران منذ الافتراق عند محطة الأزمة السورية.
نجحت «حماس» في وضع الكرة في ملعب «فتح» التي لم تتوقع مثل هذه التنازلات. ولكن «فتح» حذرة أكثر مما هي مرتاحة وتعتبر أن الأمر يحتاج الى ترتيبات وضمانات، وأن الاختبار الجدي يأتي في خلال تسليم الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية والمعابر فورا، بما فيها معبر رفح مع مصر... وتتحسب «فتح» لإمكانية أن تكون حماس في صدد تنازلات هادفة الى رفع مسؤوليتها (الإدارة والخدماتية والمالية) في قطاع غزة مع بقاء تحكمها في القرار السياسي وفي المعادلة الأمنية العسكرية على الأرض، فتكون «فتح» قد تحملت «الغُرم دون الغُنم».
2- المفاجأة الثانية تمثلت في لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هذا اللقاء الذي يأتي بعد لقاء السيسي مع عباس وقبل لقاء مع ترامب، هو اللقاء الأول المباشر بين السيسي ونتنياهو، وأهميته أنه يحصل في ظل التفاهمات الأخيرة بين «حماس» والقاهرة، وحيث تسعى إسرائيل للحصول على ضمانات أمنية مصرية بشأن قطاع غزة... أما بالنسبة للمفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط، فلم يطرح الموضوع بشكل مركز، وحيث طرح السيسي ضرورة استئناف المفاوضات في موازاة إتمام المصالحة الفلسطينية، وإحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مع توفير الضمانات اللازمة لإنجاح التسوية.
من المستبعد إحراز أي تقدم فعلي في هذه المرحلة على صعيد إحياء المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية. فالتحسن الحاصل في وضع المفاوض الفلسطيني، في حال إنهاء الانقسام الداخلي، لا يكفي في ظل استمرار التشدد الإسرائيلي الذي يطرح شروطا أولها اعتراف «حماس» بدولة إسرائيل، إضافة الى تعديل بندين رئيسيين في المبادرة العربية للسلام: الأول يتعلق بإسقاط حق العودة واستبعاد المطالبة بعودة هضبة الجولان الى سورية باعتبار أنه لا يوجد طرف سوري واضح يمكنه استعادتها في الوقت الراهن... والثاني يتعلق بالتطبيع العربي مع إسرائيل قبيل البدء في إجراءات التسوية بخلاف ما تنص عليه المبادرة العربية.
3- أيا تكن نتائج الحراك المصري الناشط على الخطين الفلسطيني والإسرائيلي، من الواضح أن مصر التي استعادت توازنها الداخلي في مجالي مكافحة الإرهاب والإصلاح الاقتصادي، في صدد استعادة دورها الإقليمي في عدة ساحات وأزمات: الأزمة الليبية (بالتعاون مع الإمارات) والأزمة السورية (بالتنسيق مع روسيا) ولكن يبقى أن مجالها الأساسي هو الملف الفلسطيني المرتبط مباشرة بأمنها القومي.
وهنا تقوم مصر بدور أساسي، وبتنسيق مع الأميركيين وبطلب من الرئيس ترامب، في تهيئة أرضية استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وتوفير البيئة السياسية الحاضنة والملائمة لأي تسوية واتفاق سلام، وتحديدا للمشروع الأميركي الذي يحمله ترامب وأحجم عن طرحه وتسويقه بعد عملية جس نبض فاشلة لدى إسرائيل التي تذرعت بالواقع الفلسطيني، وحيث لا يتواجد طرف لديه إرادة الوصول الى اتفاق والتنازل ولديه القدرة على تنفيذ تعهداته ولأن ترامب ليس واثقا من قدراته وإمكانات النجاح، فإنه يخلي الساحة للدور المصري ولا يأتي على ذكر عملية السلام في خطابه أمام الأمم المتحدة، هذا الخطاب الذي تضمن هجوما عنيفا على إيران «الدولة المارقة»، وتهديدا بتدمير كوريا الشمالية.