باسل المصري
عانى المصريون كثيرا ـ ولايزالون ـ من الفساد الإداري الذي ضرب الدولة حتى جذورها، مستغلا تردي الأوضاع الاقتصادية والثقافية حتى أصبح أمرا واقعا في أغلب المؤسسات، لينتج في آثاره الاجتماعية والثقافية زيادة في حدة التفاوت الاجتماعي، كما عمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ومع اقتراب إنهاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد من وضع المحاور الإستراتيجية ـ ديسمبر المقبل ـ في خطة متوسطة المدى حتى العام 2022 للقضاء على الفساد في مصر، فإنها بذلك تكون قد أنجزت الإطار النظري المنوط لها عمله فقط، ليبقى النصيب الأكبر في التنفيذ على المجتمع المصري الذي يخضع يوميا لمنطق الزبونية والمحسوبية، الأمر الذي قادنا في السابق إلى غياب العدالة في توزيع الثروة على المواطنين، وجعل شرائح واسعة تعاني من الفقر والجوع، ما انعكس بالسلب على تركيبة المجتمع والعلاقات الاجتماعية خلال العقود الأربع الماضية، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في ظهور العديد من السلوكيات غير المحمودة داخل المجتمع مثل الرشوة والسرقة والعمولة، ما أدى إلى تعميق جذور الفساد.
وان كانت مصر قد احتلت العام الماضي المركز 117 في مؤشر الفساد من بين 180 دولة شملها المؤشر، فإن ذلك يرجع لعدد من أسباب التاريخية أبرزها:
1 ـ الفساد الإداري.
2 ـ الفساد التشريعي.
3 ـ الفساد الإجرائي.
4 ـ غياب الديموقراطية وعدم الشعور بالمساواة وتكافؤ الفرص.
لكن مع بدء تنفيذ إستراتيجية اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد وإطلاق يد الرقابة الإدارية في كشف جرائم الفساد العام وجدنا اتجاهين: الأول هو القبض علي مسؤولين كبار في الدولة وزراء ومحافظين وآخرين بتهم تلقي رشاوى وتسهيل الاستيلاء على المال العام دون النظر لمنصب المفسد.. الخ، والثاني هو نجاح اللجنة في الحد من التهرب الضريبي والجمركي وإنشاء محاكم متخصصة لجرائم الفساد وزيادة تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.. الخ.
فلا شك أن النتائج والآثار السلبية للفساد تؤثر بصورة كبيرة على مقدرات الدول ومجتمعاتها فوضع الأهداف والسياسات والبرامج والآليات التي تكفل محاصرته، وتفعيل ثقافة مجتمعية رافضة له، يتمثل في رؤية واضحة، وفي مجتمع يكافح الفساد ويستعيد ثقافة العمل والشفافية والنزاهة والولاء من خلال دعم أجهزة إدارية فعالة، ويحد من آثاره السلبية على جميع النواحي الإدارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
إن الفساد ينطوي على آثار اقتصادية بالغة الخطورة ومدمرة للمجتمع، بوصفه يمثل احد أشكال السرقة العامة للثروة الوطنية، ويؤثر على انخفاض معدل نمو الدخل القومى وزيادة كلفة مواجهة الأضرار البيئية والأضرار الاخرى الناجمة عن الفساد وزيادة معدلات الفقر وسوء توزيع الثروة.. كما أن من آثاره الاجتماعية انتشار ظاهرة البطالة والهجرة غير المشروعة.
وان كان يحتاج الى تشريعات جديدة وتغليظ العقوبات على المفسدين، فإن الإرادة السياسية القوية لمكافحته تتطلب من الأساس وعيا مجتمعيا، كركيزة لإنجاح أي إستراتيجية قومية، فالحال سابقا أدى إلى غياب الوعي لدى البعض وعدم الاكتراث بكثير من الشؤون حتى أصبح عادة نتيجة لذيوعه بشدة في المعاملات اليومية سواء الحكومية أو غيرها.