أحمد سليمان
في الوقت الذي اتجهت في أنظار العالم الى العاصمة الإدارية الجديدة، حيث افتتح المقر الثامن للكاتدرائية المرقسية ميلاد المسيح مع مسجد الفتاح العليم الأحد الماضي، باعتبارهما أحد الإنجازات المعمارية الضخمة في المنطقة العربية، تخطو الإدارة الحالية نحو مشروع قومي جديد يتأسس على عدة محاور استنادا الى أن الدولة المصرية من أقدم دول العالم التي لها كيان مجتمعي واحد انصهرت فيه العديد من الحضارات والثقافات عبر الزمان، ولعل في كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي المقتضبة في الافتتاح دلالات كبيرة من المهم التوقف عندها باعتبارها رسائل سياسية للداخل والخارج من أبرزها:
أن الفتن لن تنتهي، في إشارة واضحة الى ان المخططات الخارجية التي تسعى للنيل من وحدة الشعب المصري مستمرة، حيث عانى الشعب منذ ثورة يونيو ـ ومازال ـ من عمليات ممنهجة استهدفت بث الفرقة بين أقباط مصر ومسلميها، فكانت كلمة قداسة البابا تواضروس الشهيرة وقتها والتي استخدمها الرئيس في الافتتاح من أن وطنا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن.
الرسالة الثانية التي أرادت الدولة المصرية تقديمها في الافتتاح هي مشروع المواطنة والحفاظ على المجتمع صلب البنيان، فمصر هي الأولى في المنطقة العربية من حيث عدد السكان الذين يدينون بالمسيحية، لذا كان من المهم بمكان أن يتم تقنين أوضاع دور العبادة السابق تشييدها بناء على موافقة مجلس النواب في العام 2016 على قانون بناء وترميم الكنائس والوحدات والمباني الملحقة بها وتوفيق أوضاعها، حيث أوضح قداسة البابا منذ أشهر قليلة أن القوانين السابقة كانت تأخذ 20 عاما لبناء الكنيسة، وأن هناك كنائس تتم فيها الصلاة منذ 50 عاما، لكن هذا القانون الجديد والذي يندرج داخل مشروع الوحدة الوطنية، يضع مصر في مصاف الدول المتقدمة في الهوية والحفاظ على النسيج الوطني، وهذا أيضا ما أشار اليه السيسي في جملة «فضل الله نقدم نموذجا للمحبة والسلام بيننا» فنجحت اللجنة في تقنين قرابة الـ800 منشأة دينية مسيحية في ربوع مصر.
واستنادا إلى ما سبق، يمكن القول ان الرسالة الثالثة: مفادها الاستمرار في المضي قدما على طريق التنمية الاجتماعية مع التأكيد على الحقوق الأساسية للمواطن والعدالة الاجتماعية، وأن محاولات شق الصف لن تؤدي إلى إسقاط الدولة المصرية، والنظام السياسي الحالي، أو خلق «فتنة طائفية» في البلاد.
من ناحية أخرى، يمكن الترويج لمصر سياحيا باعتبارها تجمع أحد أكبر خمسة مساجد في المنطقة العربية يتسع لعدد 17 ألف مصل وبه 4 منارات بارتفاع 95 مترا وعدد 21 قبة ومكتبة ومجمعان لقاعات المناسبات وأكبر كاتدرائية تتسع لـ10 آلاف مصل وأنشئت على مساحة 63 ألف متر مربع، وتضم عددا من المنارات والقباب وأنصاف القباب.
وعلى ضوء ما تقدم، يمكن أن نستنتج أن القرار الاستراتيجي ببناء المسجد والكاتدرائية إنما هو الاختيار المفضل لدى متخذ القرار من بين البدائل الإستراتيجية المطروحة وذلك للحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية للدولة المصرية.