- رئيس الجمهورية يعمل18 ساعة في اليوم.. والأطباء يعترضون!
- الصحف المصرية في نفس يوم الوفاة: نجح مؤتمر القاهرة في حقنالدماء العربية
ولم يكن في استطاعة أحد أكثر من الكاتب الصحافي حسنين هيكل أن يروى القصة الحقيقية لصراع جمال عبدالناصر مع المرض والآلام.. ورغم ذلك فقد احتاج هيكل إلى أربعة أسابيع بعد رحيل عبدالناصر ليروي ـ بصراحة ـ هذه القصة التي عكست وجها نادرا من وجوه قوة وعناء جمال عبد الناصر وعمق إيمانه بمسؤوليته الكبيرة.
وفى تلك الفترة كان الأطباء قد تأكدوا من خطورة الحالة الصحية للرئيس جمال عبد الناصر.. واكتشفوا متاعب حكمه.. وانسداد شرايين ساقه.. وأخيرا وافق تحت إلحاح أن يحصل على إجازة إجبارية لمدة أسبوع في أسوان كما أن الإجازة لم تستمر إلا يوما واحدا.
فقد مات عمّ عبدالناصر..
وركب الرئيس القطار من اسوان إلى الاسكندرية ليقوم بتشييع جنازة عمه. ثم يعود مباشرة إلى القاهرة.. ناسيا أمر الإجازة التي يصرّ عليها الأطباء! ويكمل هيكل رواية القصة:
وجلسنا معه مرة.. وكان اجتماعا على الطريقة التي يعمل بها.. ما بين خمس عشرة وثماني عشرة ساعة في اليوم.وكان بعض الأطباء معنا.. وقال أحدهم إنه علم من السيد سامي شرف أن الرئيس يسأل عن قائمة الخسائر في الجبهة.. وأن هذا السؤال يكون الأخير في عمل النهار والليل. قبل أن ينطفئ النور في غرفة نومه!
وقال عبدالناصر في بساطة: ولماذا لا أسأل عن ذلك.. أليس طبيعيا أن أعرف؟
وقال الطبيب ولعله د.فايز منصور: ألا يمكن تأجيل هذا السؤال إلى الصباح؟
قال عبدالناصر: لو أجلته إلى الصباح لما استطعت أن أنام..
***
ثم سافر جمال عبدالناصر إلى موسكو المغطاة بالثلوج.. وكان عمله فيها من أعظم الضربات الاستراتيجية. وتوقفت غارات العمق. لكن التفتت في الجبهة الشرقية بدأ تعليقه.
يقول هيكل:
وتحمس الرئيس عبدالناصر لفكرة عقد اجتماع في ليبيا على أساس الطرح القومى للمعركة استجابة لنداء معمر القذافي وكانت محبته له غلابة وكان يرقب اندفاعه القوي. ويسمعه أحيانا وهو يخطب.
ويقول له في محبة: معمر.. أنت تذكرني بشبابي! وتلقى مشروع روجرز وهو في ليبيا وفكر فيه طويلا.. وكان اتجاهه إلى قبول التحدي وانتظام نتيجته. وسافر إلى موسكو بعد ذلك في زيارة رسمية.
وجاءه د.شازوف يرجوه فور الانتهاء من محادثاته أن يذهبه إلى مصحة «بربيني» لكشف شامل جديد عليه.
وقال له شازوف: إنني أفزع حين أتابع برنامج عملك وزياراتك! وتم الكشف الشامل عليه في «بربينى». وجاء في شازوف.. ومعه د.ڤلاديمير. يقولان له: من الضروري أن يبقى الرئيس هنا شهرا!
ثم ذهب شازوف إلى الرئيس بريجينيف يرجوه الإلحاح على الرئيس بالبقاء. واقتنع عبدالناصر.. وذلك بعد أن رأى تقارير الفحص. وعدوه بأسبوعين فقط.. وقال لشازوف: إنني مضطر للعودة من أجل المؤتمر القومي لابد أن أكون في مصر قبل 20 يوليو. وعاد إلى مصر.. عاد إلى معركة من أعنف المعارك:
وقف أمام المؤتمر القومي يتكلم ويقبل مشروع روجرز لأسباب قدرها وحسب حساباتها.
وبدأ يحس بالإرهاق يضغط عليه.. وبالآلام تشتد.. وقرر أن يذهب! مرسى مطروح.. في اجازة لأسبوع كامل.. واتفقنا ألا يتصل به احد.. مهما كانت الظروف!
ويقول هيكل في نهاية الحكاية الحزينة:
لكن الأزمة في الأردن انفجرت.. وبقي الكل مترددا في الاتصال به هناك أول أيام الأزمة.
لكن عند المساء كان قد سمع من الإذاعات بما يجري. واتصل هو!
وطلب موافاته أولا بأول بالتفاصيل.. وجاءه معمر القذافي في اليوم التالي إلى مرسى مطروح. ونقلت إليه بالتلفون عدة رسائل جاءتني من ياسر عرفات.
وقرر أن يبعث الفريق صادق إلى عمان برسالة منه إلى الملك. ثم انضم إليه في الرسالة الثانية إلى الملك معمر القذافي وجعفر النميري. وعاد إلى القاهرة من مرسى مطروح.
وكان المؤتمر الكبير الذي التقى فيه بملوك ورؤساء الدول العربية لبحث أزمة الأردن على وشك أن ينعقد. وكان أطباؤه جميعا في حالة ثورة كاملة!
وكانت كلمتهم له بالاجتماع تقريبا: إن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا النحو.
وحين نقل إليه د.الصاوي رأيهم في غرفته بفندق الهيلتون الذي كان معدا للاجتماع الكبير كان رده بغضب: ماذا تقولون؟ في كل دقيقة يمكن أن يقتل عشرات من الرجال والنساء والأطفال في عمان... ألا ترون أننا في سباق مع الزمن؟!
***
بعد أن أعلن أنور السادات بيان رحيل جمال عبدالناصر في الإذاعة.. وسمع أبو عودة وزير الإعلام والثقافة الأردني الخبر بنفسه..
فأسرع يرفع سماعة التلفون ويطلب الملك حسين.. قال له: جلالة الملك.. البقاء لله الرئيس جمال عبدالناصر توفي. وأذاعت القاهرة النبأ.
مرت لحظة صمت.. ولا يعرف أي تعبيرات ارتسمت على وجه الملك حسين في تلك اللحظة.. كان قد عاد إلى عمان قبل ساعات قليلة.. من مؤتمر الملوك والرؤساء العرب.. وكان جمال عبدالناصر على حد قول الأردنيين أنفسهم «أنقذ جلالة الملك في المؤتمر الكبير».
وظل وزير الإعلام الأردني صامتا على الناحية الأخرى.. وأخيرا ردّ الملك حسين بصوت متهدج يغضبه الانفعال: يا الله..
مات الرجل.. عندما بدأت الأمة العربية تستفيد منه.. في رحمة الله يا جمال!
القدر كان يخبئ لعبدالناصر المزيد من الآلام النفسية العنيفة ـ غير آلام المرض ـ في الأيام التي تجاوزت العشرة والتي سبقت آخر يوم في حياته.
كانت هناك مجزرة عربية لا تتوقف في الأردن. وقد بدأت قبل شهر.. عندما أحدث الأردن عدة تغييرات في قيادات الجيش الأردني.
***
كان الموقف ميؤوسا منه!
وقال ياسر عرفات فيما يشبه صرخة جريمة: الغدر فظيع ووحشي.. وهناك تصفية وإبادة تامة للشعب الفلسطيني.. هناك خمسة وعشرون ألفا بين قتل وجريح وليس هناك خمسة وعشرون ألف فراش.
***
وكانت أبعاد هذه الصورة واضحة بكل تفاصيلها عند جمال عبدالناصر.. وكان في البداية حريصا على الحفاظ على الأردن بعيدا عن الأحداث.. وخاصة حلف بغداد.. كان حريصا على الحفاظ على الكيان الأردني والأرض الأردنية.. وعندما تفجرت الأحداث والحوادث في عمان.
لم يملك عبد الناصر سوى أن يعطي كل فكره وجهده لموقف القتال في الأردن.. وإنقاذ الرجال والنساء والكبار والأطفال من مواجهة الموت.
وتجسد الضمير العربي في مؤتمر القاهرة للملوك والرؤساء العرب لإنقاذ الموقف اليائس.. وكان عبد الناصر قد قطع اجازته في اليوم الثاني في مرسى مطروح، وعاد إلى القاهرة .. وكان يذهب إلى مطار القاهرة لاستقبال الملوك والرؤساء القادمين.
وكان يعقد اجتماعات ثنائية مطولة مع كل ملك ورئيس عربي.. وكان يكتب الرسائل الى الملك حسين ينبهه فيها إلى خطورة استمرار القتال.
وكان يتابع في الوقت نفسه.. وكل ساعة التقارير عن آخر تطورات الأحداث في عمان..
وكان كل ما يشغل عبدالناصر ضرورة ألا يقتل إنسان.. سواء في المقاومة أو من الجيش الأردني أو في الشعب الأردني.. كان يريد انقاذ الجرحى والثكالى. وكان لا يفتأ يردد العبارة نفسها: المهم أن يوقف القتال فورا.
ولم تكن محادثات مؤتمر القاهرة سهلة على الإطلاق.. لكن جمال عبد الناصر تمكن بعد جهد شاق سريع من أن ينقذ الموقف.. وأن يوافق الملك حسين وأن يوافق ياسر عرفات.. وأن تتكون لجنة عربية برئاسة باهي الأدغم.. ولجنة إغاثة برئاسة الملك فيصل.
وذهب إلى مطار القاهرة ليودع الملوك والرؤساء العرب. وجاءت النهاية.
***
كانت الصحف المصرية قد ظهرت صباح يوم 18 سبتمبر 1970 وهو اليوم نفسه الذي توفي فيه الرئيس جمال عبدالناصر وهي تحمل العناوين التالية: «نجح مؤتمر القاهرة في حقن الدماء العربية».
«وقع الرؤساء اتفاق القاهرة في الساعة التاسعة من مساء أمس».
«إنهاء كل العمليات العسكرية في الأردن».
«لجنة متابعة تنفيذ اتفاق القاهرة تسافر إلى عمان»
ملك الحوادث وصحافة الجريمة
محمود صلاح.. يطل على القراء من «أنباء مصرية»
الحلقة الثالثة
هكذا وصفه خبراء الصحافة المصرية.. ملك الحوادث وصحافة الجريمة في العالم العربي.. الرجل الذي أبكى الملايين بكلماته صباح كل سبت بعد أن يرسم بقلمه تفاصيل قصة إنسانية تنذر بخطر موجود في المجتمع، صاحب فكرة إصدار جريدة «أخبار الحوادث» التي ولدت عملاقة، حيث وزع عددها الأول 500 ألف نسخة، الفكرة التي جاءته أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن شاهد جريدة أميركية متخصصة في الجريمة، وطرح سؤالا مع نفسه: لماذا لا تكون في مصر جريدة خاصة بعالم الجريمة؟
إنه الكاتب الصحفي محمود صلاح الذي أثار أبرز حوادث الرأي العام المصري.
الأمانة في العمل.. هي المعيار الأول والأخير عنده، ودائما ما كان يطلب من المحررين ان يتحروا الدقة في عرض المعلومات، بحيث لا يتعرض دائما للحياة الخاصة لأي شخص او نشر أخبار مفبركة.. لم يطرد طوال فترة وجوده بـ «أخبار الحوادث» الا محررا قام بنشر خبر مفبرك عن امرأة بريئة في قضية مشينة، لم يكن هدفه فقط مجرد النشر بل الوقوف الى جانب المظلوم حتى ظهور الحقيقة وابلغ دليل على ذلك قضية الممرضة عايدة عندما نشر في جريدته أنها بريئة بعد صدور حكم الإعدام عليها ونجح مع فريق عمله في الوقوف الى جانبها حتى حصلت على البراءة، ليس ذلك فقط بل تحولت بعض قضاياه الى أعمال فنية في السينما والتلفزيون.
الكاتب الأشهر في عالم الجريمة خص «أنباء مصرية» بمجموعة من كتبه الجديدة والشيقة لتقوم بنشر ملخصات لها خدمة للقارئ العزيز على حلقات بصورة متتابعة، نبدأها بكتاب «آخر يوم.. في حياة جمال عبدالناصر!».