أحمد سليمان
تعتبر القارة الافريقية من أهم الدوائر للسياسة الخارجية المصرية، وهي ذات أهمية كبرى للأمن القومي للدولة، ومن ثم كان من الأهمية بعد الثورات أن يعاد تفعيل العلاقات - خاصة بعد التراجع الذي أصاب هذا الدور منذ عدة عقود متتالية - في ظل المتغيرات المعاصرة التي تشهدها مصر ومنطقتنا العربية في شتي المجالات، وتأخذ العلاقات أشكالا كثيرة منها ما هو مرتبط بالواقع الجغرافي ومنها ما هو مرتبط بالتحديات المشتركة خاصة والمتعلقة بالإنشاءات على نهر النيل - شريان الحياة للمصريين، فمؤخرا أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إن التأخير في تشييد سد النهضة قد أفرز زيادة في تكلفة بنائه بنسبة 60%، الأمر الذي رآه الخبراء في المياه في مصر أن اثيوبيا ماضية في بناء سد النهضة، ولا توجد أي نية للتوقف، وأن معاناة الجانب الإثيوبي من بعض المشكلات المالية والفنية لا تشكل عائقا أمامهم.
كما أن هناك فرضية لدى الخبراء تشير إلى أن التغير السياسي الذي فرضته أزمة السد منذ العام 2011 وحتى الآن سيطال توجهات السياسة الخارجية لمصر خاصة وترأسها الاتحاد الافريقي 2019 بما يقود لمرحلة من الشراكات الجديدة التي ستخدم مصالح مصر المائية، خاصة أن أحدث التقارير تحذر من أن مصر يمكن أن تفقد 51% من أراضيها الزراعية إذا تم ملء خزان السد خلال ثلاث سنوات وتؤكد بعض الدراسات أن كل مليار متر مكعب من المياه فاقد يؤدي لخسارة 200 ألف فدان من الأراضي الزراعية مما قد يؤثر على حياة مليون مواطن.
لعل من يتابع تطورات الأزمة منذ مارس من العام 2015 والتوقيع الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة الذي ساهم في تنقية كثير من أجواء بين الدول سيجد أن الإدارة المصرية استطاعت من خلاله التوصل آنذاك لحل أي خلافات، والواقع يشير وقتها إلى أن التوقيع على هذا الاتفاق شكل مخرجا مهما من تلك الحالة أو العقدة التي كانت ستدخل مصر والمنطقة في خلاف متصاعد.
ورغم اعتبار تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي الأخيرة التي اعتبرها المتخصصين في مصر إيجابية على اعتبار أن التأخر يخدم أطراف الأزمة الثلاثة وتفادي إدارة وتشغيل السد من الجانب الإثيوبي بشكل منفرد، وأن إطالة وقت بنائه يساعد في المفاوضات - المتوقفة حاليا - ورغم التغير في المواقف للدول الثلاث بعد زيارات الرؤساء المتبادلة خاصة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد للقاهرة، إلا أن الأمن المائي لمصر والدولة العربية في خطر بفعل ندرة الموارد المائية العربية بالتزامن مع تصاعد الاحتياجات المائية لتلبية مطالب خطط التنمية فيعتبر نصيب الفرد العربي من المياه أدنى نصيب للفرد في العالم، حيث تراجع إلى نحو 800 متر مكعب سنويا في الفترة الحالية ومن المنتظر أن يصل إلى نحو 650 مترا مكعبا سنويا عام 2025.