تحليل ـ أحمد سليمان
على الرغم من حالة الجدل الواسع التي رافقت عملية الحوار المجتمعي على التعديلات الدستورية على بعض المواد خلال الشهرين الماضيين، بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، إلا أن هذه الحالة تعكس بشكل ملحوظ الحالة الديموقراطية الجارية اليوم بين أبناء الوطن الواحد، انطلاقا من ثوابت وطنية لدى مختلف قطاعات الشعب، بوصف نظام الاستفتاء العام احدى أهم وسائل الديموقراطية المباشرة، ويصف بعض المحللين عمليات الاستفتاء بأنها «منح النفوذ والسلطة دون المسؤوليات» بمعنى أن يعطي للناخبين الفرصة لفرض رأيهم، دون تحمل مسؤولية العواقب.
وان كان أعضاء البرلمان قد أقروا التعديل، ووافقوا على ما أعلن في 56 صفحة من التقرير الذي عرضه رئيس المجلس، فإن ما جرى من حوار مجتمعي يجب التوقف عنده بوصفه أحد أبرز مظاهر التحضر الديموقراطي، حيث تحولت قاعة البرلمان الى ساحة حوار حقيقية ومنصة للرأي والرأي الآخر فلم يكن هناك إجماع على مادة بعينها، وذلك فحوى الديموقراطية.
لذا فإن المشاركة في الاستفتاء ـ اليوم ـ في السفارات، هدفها أخذ رأي المواطنين ـ أصحاب الكلمة العليا ـ بصورة مباشرة بالموافقة أو الرفض مما قد يؤدي إلى تبني التعديلات الدستورية أو رفضها، وهو ما اكد عليه أول من أمس المستشار لاشين إبراهيم، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات من أن الدستور هو الوثيقة الأسمى في الدولة، إلا أن إرادة الشعوب هي التي تبث فيه الروح وتقر بعلوها، فضلا عن أن الشعوب هي التي تعدل وحدها أحكام الدساتير، وأن الدستور لن يكون فعالا ما لم يعبر عن أحوال الشعب ويتلاءم مع ظروفه. ولعل من تابع جلسات الحوار وأثناء المداولات طيلة شهرين كاملين، سيجد التزامها بأحكام الدستور والتطبيق الحرفي للائحة، كما سيجد رفض 22 نائبا من تكتل 25-30 وحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي، ولعل في ذلك ديموقراطية إيجابية كما يراها الخبراء، فجوهر المعارضة هي أن تكون جزءا من النظام السياسي القائم، ولا تشكل قيدا على الحكومات، بل هي عامل مساعد، وذلك لأن إحدى الوظائف الأساسية التي تقوم بها المعارضة هي التقييم والتقويم والمساءلة على السياسات القائمة وإيجاد بدائل لما يجب أن يكون، أخذا في الحسبان ضعف دور الأحزاب، كإحدى أدوات النظم السياسية الديموقراطية في مصر.
فما يقوم به المصريون اليوم في الخارج ـ وتتابعه دول العالم ـ لمدة ثلاثة أيام، إنما يتأسس على المشاركة في عملية صنع القرار، فمن المعروف أن تقنين العلاقة بين الرأي العام وصانعي القرارات يؤدي إلى خلق التفاعل الطبيعي بين اهتمامات وقضايا الرأي العام وقرارات السلطة السياسية، الأمر الذي يضمن الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي من ناحية وإحداث التغييرات المجتمعية بطريقة سليمة من ناحية أخرى.