تسيطر المعركة ضد فيروس «كورونا» على عناوين الأخبار حاليا، كما تحتكر جهود الحكومات ومواردها على مستوى العالم. والوضع هنا في مصر، لا يختلف كثيرا. ولكن، بالإضافة الى اتخاذ إجراءات صارمة لاحتواء فيروس «كوفيد 19»، تناضل مصر من أجل قضية أخرى لا تقل أهمية، وقد تكون لها تداعيات وخيمة على الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، ألا وهي قضية سد النهضة الإثيوبي الكبير.
لقد أوشكت إثيوبيا على الانتهاء من تشييد سد النهضة، والذي من شأنه أن يصبح أكبر السدود الكهرومائية في أفريقيا. وحين نتحدث عن المخاطر التي يفرضها السد على الأمن المائي المصري، فإن الأمر ليس من قبيل المبالغة أو المغالاة. وتعد مصر، بالفعل، واحة في الصحراء، تعتمد اعتمادا كليا على نهر النيل باعتباره شريان الحياة الوحيد. وإذا ما اطلعنا على تطبيق «غوغل إرث» (Google Earth)، فسوف نجد أكثر من 100 مليون مصري يعيشون في شريط ضيق من المساحة الخضراء المكتظة بالسكان، والتي تمر عبر محيط من الصحراء، وتصب في دلتا النيل بالقرب من البحر المتوسط.
وبسعة تخزين تصل إلى 74 مليار متر مكعب، وهو ضعف حجم سد «هوفر الأميركي»، سوف يشكل سد النهضة الإثيوبي الكبير، إذا ما تم ملؤه وتشغيله بشكل أحادي، خطرا راهنا وجسيما بالنسبة لمصر.
ومن ثم، يجب أن تتفق إثيوبيا ومصر والسودان، الدول الـ 3 التي تشترك في نهر النيل الأزرق، حيث سيتم بناء السد، على القواعد الحاكمة لملء وتشغيل السد. ونظرا لكونه سدا كهرومائيا، لا يعد سد النهضة من المشروعات المستهلكة للمياه، وهو ما يعني أنه في حال اتفقت الدول الـ 3 على القواعد المناسبة للملء والتشغيل، لن يتسبب السد في نقص كمية المياه المتدفقة في النيل الأزرق، ولن يلحق أي أضرار بدول المصب.
وبمعنى آخر، من الممكن أن يتم الوصول الى حل مرض للطرفين. بالإضافة إلى ذلك، أكدت مصر، مرار وتكرارا، أنها تؤيد كليا حق إثيوبيا في التنمية، بما في ذلك استغلال منافع نهر النيل. إلا أن الأمر يتطلب وجود طرفين. ويجب أن تمتلك إثيوبيا الإرادة السياسية للتوصل الى اتفاق يمكنها من ملء وتشغيل السد من دون الإضرار باستخدامات المياه في مصر.
ولكن لسوء الحظ، انتهت نحو 10 سنوات من المفاوضات حول سد النهضة بالفشل بسبب ما تمارسه إثيوبيا من عرقلة للجهود واتخاذ قرارات أحادية الجانب. وفي بداية الأمر، استهدفت تلك المحادثات إجراء الدراسات المتعلقة بالتداعيات العابرة للحدود والآثار البيئية للسد، بعد أن قامت لجنة الخبراء الدوليين بإصدار تقرير مقلق للغاية أوضح بعض العيوب في تصميم السد وانتقد الجانب الإثيوبي لعدم إجراء الدراسات الخاصة بالآثار التي سوق تلحق بدول المصب جراء بناء السد.
ومن أجل إدارة عملية إعداد الدراسات وضمان وضع قواعد ملء وتشغيل سد النهضة على أساس تلك الدراسات، تم إبرام معاهدة دولية بعنوان «اتفاق إعلان المبادئ» ووقعت عليه كل من مصر وإثيوبيا والسودان في 23 مارس 2015. ونص الاتفاق على الانتهاء من الدراسات البيئة والعابرة للحدود، والاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد على أساس تلك الدراسات في غضون 15 شهرا. وبعد مرور 5 سنوات، لم يتم الوفاء بذلك الالتزام حتى الآن.
وفي جميع المراحل، انتهجت إثيوبيا سياسة المراوغة التي عرقلت الانتهاء من الدراسات وأحبطت محاولات التوصل الى اتفاق حول ملء وتشغيل السد. ولذا دعت مصر الولايات المتحدة، التي تعتبر شريكا استراتيجيا لكل من مصر وإثيوبيا، للانضمام الى المفاوضات والقيام بدور المراقبة والتيسير. وبعد 12 جولة من المحادثات التي عقدت في أديس أبابا، القاهرة، الخرطوم وواشنطن خلال الفترة من نوفمبر 2019 حتى فبراير 2020، وبعد جهود مضنية من وزير الخزانة الأميركي ستيفين مانشين، المكلف من قبل الرئيس دونالد ترامب للإشراف على المحادثات، أعدت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع البنك الدولي، نصا للمعاهدة حول ملء وتشغيل سد النهضة.
ولا تمثل تلك المعاهدة محاولة أميركية لفرض الحل على الدول الثلاث. ولكن تم وضع النص بناء على المواقف التي أعربت عنها كل من مصر وإثيوبيا والسودان خلال المفاوضات. ويقدم النص صيغة عادلة ومتوازنة تصب في مصلحة جميع الأطراف وتحفظ المصالح الرئيسية للدول الثلاث، وتسمح المعاهدة لإثيوبيا بالاستفادة من عائد الاستثمار بشكل سريع وتوليد الطاقة الكهرومائية من السد بصورة مستدامة، مع حماية دول المصب من الآثار السلبية لسد النهضة والحد من التداعيات المدمرة لفترات الجفاف المحتملة.
وشأنها شأن نصوص التسوية الأخرى، تعد المعاهدة المقترحة من قبل الولايات المتحدة غير مرضية تماما بالنسبة لمصر. وفي نهاية الأمر، يقال إن التسوية الناجحة هي تلك التي ينتج عنها عدم رضا كل الأطراف بشكل متساو. ولكن في إشارة الى حسن النوايا والالتزام الحقيقي تجاه تمكين إثيوبيا من تحقيق الأهداف المنشودة من سد النهضة من دون الإضرار بمصالح دول المصب، وافقت مصر على الاتفاق موقعة عليه بالأحرف الأولى في 28 فبراير 2020، إلا أن إثيوبيا، على الجانب الآخر، رفضت حضور الاجتماع الوزاري الأخير الذي عقد في واشنطن في 27 و28 فبراير 2020، معلنة اعتراضها على النص المعد من قبل الولايات المتحدة.
بالإضافة الى ذلك، أعلنت إثيوبيا مؤخرا أنها تخطط للبدء في مل سد النهضة من دون موافقة دول المصب. ويمثل ذلك الفعل الأحادي انتهاكا لاتفاق إعلان المبادئ الموقع في عام 2015. وفي ضوء التداعيات الكارثية المحتملة لسد النهضة، سوف يشكل ذلك انتهاكا صارخا للأمن القومي المصري، ولن تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام محاولات إثيوبيا السيطرة على مصير الشعب المصري.
ولذا، يجب أن تستمر مشاركة الولايات المتحدة في العملية، ليس فقط لأهمية مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها على المستوى الدولي، ولكن لأن الاتفاق المتعلق بسد النهضة سوف يسهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، كما سيحدد ملامح حقبة جديدة من التعاون بين دول حوض النيل.
ولدينا الآن فرصة حقيقية لإبرام اتفاق تاريخي يعد بتغيير وجه المنطقة ككل. لقد عمل وزير الخزانة الأميركي مانشين ومعاونوه جاهدين من أجل التوصل الى اتفاق، ويجب أن تقوم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بتوجيه رسالة واضحة لإثيوبيا تفيد بأن السياسة الأحادية غير مقبولة، وأنه يتعين عليها التوقيع على الاتفاق المطروح على الطاولة الآن، وهو نتاج المفاوضات التي شاركت فيها. وسوف يفتح هذا الاتفاق فرص غير محدودة لدول حوض النيل لتحقيق تطلعات أكثر من 250 مليون مواطن مصري وإثيوبي وسوداني.