Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء
17 يوليو 2011
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
وصلت الأوضاع في لبنان الى مرحلة دقيقة. فالأجواء السائدة لا تسمح بالارتجال في اتخاذ المواقف، ولا بممارسة لعبة التشاطر التي تستهوي معظم اللبنانيين. فالانقسام الحاد بين القوى السياسية تمظهر بحلته الساطعة في جلسات مناقشة البيان الوزاري لحكومة «الضرورة» الميقاتية الجديدة، وأمر الانقسام ينطبق أيضا على الشرائح التي يتشكل منها الشعب اللبناني، في ضوء صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقيادات لبنانية أخرى.
وقد تزامن الحدثان (أي تشكيل حكومة بدون آل الحريري وصدور القرار الاتهامي متناولا عناصر من حزب الله) في لحظة حساسة، ساهم توقيتها في تأجيج المشاعر، وهذه المشاعر متأججة أصلا، على خلفية أحداث عربية حصلت، خاصة منها في العراق والبحرين وسورية.
دفع لبنان حتى هذه اللحظة ثمن التشنج والانقسام مقدارا لا يستهان به من مكانته العربية والدولية، ومن قدرته الاقتصادية والانتاجية، وأقل ما يمكن أن تؤكده الأرقام هو خسارة ما يزيد على ثلاثة أرباع موسمه السياحي، الذي كان مقدرا له أن يأتي على لبنان بعائدات تتجاوز 8 مليارات دولار، فيما لو كانت الأوضاع مستقرة، وعلى غير ما هي عليه الآن في لبنان والمنطقة. إلا أن «شي أهون من شي»، فالخسارة الاقتصادية على قساوتها، أخف وطأة من وجع الاضطراب الأمني، أو الفوضى، فيما لو قدر أن يعمان البلاد، ولا يعرف أحد ما يمكن أن تنتهي اليه الأمور، خاصة أن القوى الاقليمية والدولية الحريصة على لبنان لديها انشغالاتها وهمومها، التي تعوقها عن معالجة مشكلات لبنان، التي قد يحتاج حلها الى تسويات كبرى، الظروف الإقليمية لا تسمح بها الآن.
واحتمالات أن يتطور الوضع الى الاضطراب فرضية قائمة، مع أن كثيرين من المسؤولين يتنكرون لوجودها، ولعل هذا التنكر ظاهرة صحية، حتى لو كان من باب إضفاء استرخاء على حالة التشنج. كيف يمكن الخروج من المأزق؟
يحتاج الأمر من الاكثرية الجديدة ـ خاصة من صقورها في حزب الله والتيار الوطني الحر ـ الخطوتين الى الأمام وخطوة الى الوراء، في الاندفاعة الجديدة، للدفاع عن الحكومة، وفي مسيرة عملها المستقبلي. فالدفاع عن أشخاص «ربما يكونون متهمين مظلومين» لا يبرر تجاهل مشاعر شرائح واسعة من الشعب اللبناني تريد أن تعرف حقيقة من اغتال الشهداء، والاقتصاص منهم، كما أن تجاوزات بعض من المسؤولين الإداريين أو الأمنيين، لا تبرر التشفي، أو الاقتصاص منهم، فقط لأنهم كانوا محسوبين على أطراف سياسية أخرى، وواقع الدولة في لبنان لا يسمح لأي شخص بأن يصل الى مركز قيادي معين دون أن يكون مدعوما من جهة سياسية أو طائفية نافذة. والمعارضة الجديدة، وخاصة تيار المستقبل وحلفاءه، بحاجة أيضا الى خطوتين الى الأمام وخطوة الى الوراء ـ في اندفاعتهم الجديدة لإسقاط الحكومة وتأييد المحكمة الدولية ـ لأن الارتجال في الأوقات الصعبة قد ينتج خطابا غير المأمول فيه، وبالتالي يمكن لأي حماسة زائدة أن توقع البلد في وضع لا يخدم الموالاة، ولا يخدم المعارضة أيضا، لأن الجميع يركبون في سفينة واحدة، وفيما لو غرقت سيغرقون معا. إن العودة خطوة الى الوراء، وسماع الاصوات التي تدعو الى الحوار، خاصة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ورئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، يمكن أن تؤسس لولادة أجواء جديدة، تكون مساحة التسامح فيها أوسع مما هي عليه الآن، ويمكن لها أن تنقذ البلد من المأزق، وكان لقبول الرئيس سعد الحريري مبدأ الحوار مشروطا بعلنيته في حديثه الأخير صدى مريح، بالرغم من قساوة معارضته للحكومة، وهذا حق له لا ينكره أحد عليه.