Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
هل يلجأ ميقاتي إلى «ورقة الاستقالة» ثانية؟!
12 أكتوبر 2011
المصدر : الأنباء
نجح الرئيس نجيب ميقاتي في تمرير اختبار ديبلوماسي وسياسي دقيق خضعت له حكومته عندما طرح للتصويت في مجلس الأمن قبل أيام من قرار دولي ضد سورية واتخذ لبنان الذي يمثل المجموعة العربية في المجلس موقف الامتناع عن التصويت ونأى بنفسه مجددا عن المواجهة المفتوحة بين المجتمع الدولي وسورية، ولقي موقف لبنان الاستحسان والتفهم لدى الولايات المتحدة وفرنسا، لأن هذا أقصى وأفضل ما يمكن للبنان أن يفعله في ظل أوضاعه الخاصة والهشة التي لا تحتمل في حال صوّت مع القرار انهيارا للاستقرار الداخلي ولا أزمة ومواجهة مع دمشق، كما أنها لا تحتمل في حال صوت ضد القرار مشكلة ومواجهة مع المجتمع الدولي.
ولكن الرئيس ميقاتي لم يمرر هذا الموقف بسهولة واضطر لممارسة تدخل مباشر وإعطاء تعليمات لمندوب لبنان في الأمم المتحدة السفير نواف سلام «تكسر» تعليمات تلقاها من وزارة الخارجية بالتصويت ضد قرار مجلس الأمن، كما اضطر الى إجراء اتصالات مع مسؤولين سوريين لتوضيح وتدعيم موقفه ولقي آذانا صاغية أو أن موقف لبنان لم يكن موضع اكتراث عند دمشق المأخوذة بالفيتو الروسي ـ الصيني، والأهم أن ميقاتي اضطر لاستخدام ورقة التهديد بالاستقالة لتغليب رأيه على رأي آخر داخل الفريق الحكومي كان يرى وجوب أن يصوت لبنان أسوة بروسيا والصين ضد قرار مجلس الأمن، وكان لميقاتي في النهاية ما أراد وقدم نموذجا إضافيا لسياسته وقراراته التي يراعي في اتخاذها عاملين أساسيين: الوحدة الوطنية بمعنى أن يأخذ في الاعتبار الموقف اللبناني العام، حكومة ومعارضة، في المسائل الأساسية والحساسة، والمجتمع الدولي بمعنى أن يتفادى أخطاء ودعسات ناقصة تؤدي بالحكومة الى مشكلة ومواجهة مع المجتمع الدولي.
ونجح الرئيس ميقاتي حتى الآن في مخاطبة المجتمع الدولي وفي الاستحواذ على ثقته وتقديره، خصوصا بعد هذا الاختبار العملي في مجلس الأمن الذي أثبت من خلاله أن حكومته ليست حكومة حزب الله وليست واقعة تحت سيطرته، وأن قرارات وسياسات الحكومة مرتبطة بمصالح لبنان وعلاقاته والتزاماته الدولية، ولكن الاختبار الأهم يبقى في مجال المحكمة الدولية وتمويلها وتسديد لبنان حصته المستحقة فيها. وهنا يواجه ميقاتي موقفا متشددا من جانب حزب الله الذي لا يمكنه أن يحيد عن مسار حدده لنفسه ولموقفه في موضوع المحكمة. وبالتالي فإن الأمر (تمويل المحكمة) يصعب أن يخضع لمساومة إلا إذا حصلت وفق شروط مشددة يعطي فيها حزب الله في «تفصيل» (التمويل) مقابل أن يأخذ في الأساس إعادة النظر في وضعها الدستوري وقواعد عملها.
وفي المقابل، فإن الرئيس ميقاتي ماض في موقفه من تمويل المحكمة حتى النهاية، ولا يمكنه أن يتراجع لسببين: لأنه ملتزم بوعود وتعهدات قطعها للمجتمع الدولي ولا يريد أن ينكث بها ولا أن يدخل في مواجهة مكلفة وخاسرة معه، ولأنه يراعي موقف شريحة لبنانية واسعة مؤيدة للمحكمة الدولية، لاسيما موقف الطائفة السنية التي تعتبر المحكمة خطا أحمر، وبعدما قطع شوطا متقدما في بناء علاقة جيدة ومحترمة مع المجتمع الدولي، وفي احتواء الغضب السني وتحويله الى «رضا وقبول»، وفي ملء الفراغ الناجم عن خروج الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة وعن وجوده الدائم في الخارج، فإن ميقاتي ليس في وارد التفريط في مكتسباته والسقوط في امتحان المحكمة الدولية حتى لو اضطره ذلك الى اللجوء مرة ثانية الى التهديد بالاستقالة للضغط في اتجاه إقرار مبدأ التمويل أولا والبحث عن صيغة ما كمخرج قانوني سياسي ثانيا، ويبدو أن ميقاتي يتسلح بورقة الاستقالة ويلوح بها كلما دعت «حاجة ماسة» ووصل الى مأزق وطريق مسدود، متكئا في ذلك على وضع سياسي وتوازن حكومي يخدمانه ويجعلان الكلمة النهائية له، وحيث يمكن التقدير هنا أن ميقاتي ينطلق من حساباته من ثلاثة أمور ونقاط هي: انه حاجة وضرورة لحلفائه الذين لا مصلحة لأي منهم في انفراط عقد الحكومة التي لابديل لها إلا الفراغ أو العودة الى الوراء، الى حكومات الحريري، وأن سورية المنهمكة في أزمتها الداخلية والمتراجع تأثيرها ودورها الإقليمي لا يمكنها أن تكون في لبنان حاليا في وضع أفضل، وهي حققت مع الحكومة القائمة أفضل وأقصى ما يمكن أن تبلغه في ظل المعادلة الراهنة، لا بل لسورية مصلحة حيوية في أن يظل لبنان متنفسا ورئة لها في ظل وضع دولي يحاصرها بالعقوبات ووضع عربي يقاطعها ويعزلها.
وفي الداخل، فإن ميقاتي يستند الى توازن سياسي دقيق في الحكومة، حيث أثبتت التجربة أنه على موجة سياسية واحدة مع الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، وأنه يقيم علاقة تعاون وتنسيق مع الرئيس نبيه بري الذي يساعده كثيرا في دور «ضبط إيقاع الخلافات وتدوير الزوايا وابتداع حلول سحرية»، ومجمل هذه الأوضاع والتوازنات في الخارج والداخل أفادت ميقاتي في تأكيد نهجه الوسطي وفي أن يمشي بين النقاط والألغام، ويمارس دوره وصلاحياته على أكمل وجه.
أثبت الرئيس ميقاتي حتى الآن أنه يتقن فن العمل السياسي بكل ما يتطلبه من مهارات ومناورات ونفس طويل وقدرة على الاحتواء والالتفاف وامتصاص الصدمات، ولكن ميقاتي يبدي ثقة مفرطة بنفسه ووضعه وربما يقع في خطأ الاعتقاد بأنه لا يمكن الاستغناء عنه وفي خطأ اللجوء مرة ثانية الى لعب ورقة الاستقالة، لأن النتيجة في المرة المقبلة يمكن أن تكون عكسية وينتهي اختبار القوة (الكباش الحكومي) بين ميقاتي وحزب الله الى استقالة فعلية والى حكومة تصريف أعمال والى أزمة سياسية ووطنية كبيرة تتطلب حلولا غير عادية.
ما يدفع الى هذا الاستنتاج، مؤشرات أولية تدل على أن حزب الله بدأ يضيق ذرعا بسياسة ميقاتي وأسلوبه، وأن الحزب رغم تفهمه لظروف ميقاتي والضغوط التي يواجهها ولأهمية حكومته واستمرارها، بدأ يكتشف ويقتنع بأن حكومة ميقاتي ليست حكومته بقدر ما هي امتداد لحكومة الحريري، وأن ميقاتي تجاوز الهامش المعطى له، وأن مسايرة ميقاتي في تكتيكاته السياسية بدأت تمس بالاستراتيجية السياسية للحزب، ولذلك، وحسب خلاصات حزب الله، فإن الوضع الحكومي لا يمكن أن يستقيم إلا بعد «صدمة» ترسي قواعد جديدة للعبة الحكومية، وأن العلاقة مع ميقاتي لا يمكن أن تظل أسيرة الضغوط والتهديد بالاستقالة والانسحاب من «اللعبة»، وما صح في خطة الكهرباء مع العماد عون وفي التصويت على قرار مجلس الأمن لا يمكن أن يصح ويعتمد مقياسا في التعاطي مع موضوع التعيينات وفي موضوع المحكمة الدولية خصوصا.
هذا لا يعني أن الحكومة يتهددها خطر وشيك وأنها آيلة إلى السقوط في القريب العاجل أو في مدى منظور، ولكن هذا يعني بالتأكيد أنها ليست حكومة طويلة العمر، وليست حكومة الإشراف على انتخابات 2013.