بيروت ـ د.ناصر زيدان
في شهر 2 أغسطس من العام 2001 صدر في لبنان قانون اصول المحاكمات الجزائية، وتضمن مجموعة من المواد خففت من قساوة المعاملة اثناء التحقيقات الأولية، وقلصت من صلاحية المدعي العام بالتوقيف الاحتياطي الى ما دون الـ 24 ساعة، كما ألزم القانون النيابات العامة اخذ اذن النقابات وسلطات الوصاية الادارية، قبل ملاحقة اي من المنتسبين اليها، امتعض رموز الوصاية السورية حينها من هذا القانون الذي يقيد تدخل المخابرات الاستنسابي في القضاء، ويحد من تلفيق التهم.
اعاد مجلس النواب تعديل هذا القانون بعد اسبوع من صدوره، وأعطى صلاحية اوسع للنيابات العامة، وسلطة استنسابية واسعة لمدعي عام التمييز، وقيل حينها ان الأوامر بهذا التعديل السريع جاءت من مراجع سورية عليا.
اعترض جنبلاط حينها بقوة على هذا التعديل، لأنه يقارب تقييد الحريات ويمس حقوق المواطن البديهية في الدفاع عن نفسه، وقد حرك بموقفه منظمات المجتمع المدني المدافعة عن الحريات، وفاجأ موقفه المخابرات السورية، فشن المقربون منهم حملة عنيفة على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وصلت الى حد اتهامه بأنه يريد التخفيف من العقوبات على العملاء، وهذا تهمة غب الطلب لكل من يخالف الرأي.
وبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 لم توفر وسائل الإعلام السورية ولا المقربون منه في لبنان ايا من النعوت في توصيف جنبلاط، ووصل الأمر الى حد وضع نظارة «موشي ديان» على صورته، ورفعها في شوارع دمشق، ايضا لأنه قال: لا، عندما كان يحضّر لأن يمشي القاتل في جنازة الضحية، وتحولت المأساة، الى شرارة انطلاق لربيع لبناني، أطاح بالوجود العسكري السوري في لبنان.
واليوم يتعرض جنبلاط لاستهداف اعلامي وسياسي وتهديد أمني من قبل النظام في سورية وملحقاته اللبنانية لأنه رفع الصوت عاليا في وجه النظام الذي يرتكب المجازر بحق شعبه في المدن والقرى السورية.
لماذا استهداف جنبلاط بهذه الشراسة؟ رغم ان الأغلبية العظمى من الشعب اللبناني وقواه السياسية لها نفس الموقف المعارض للوحشية التي يمارسها حكام دمشق؟
اوساط متابعة لتاريخ العلاقة بين جنبلاط والنظام السوري ترى ان لهذا الامتعاض السوري ثلاثة أسباب:
الأول: ان تمسك جنبلاط الثابت بموضوع حقوق الانسان والحريات العامة يثير حكام دمشق الذين يكرهون هذا الشعار ومن يطلقه ويعرف هؤلاء ان كلام جنبلاط الدائم عن السجن العربي الكبير (شعار والده كمال جنبلاط) انما يستهدفهم اكثر من غيرهم وهو في هذا الشعار يكاد يقول «سجن شرق المتوسط» على حد تعبير المفكر العربي الراحل عبدالرحمن منيف، كما ان دعوته الى احتضان اللاجئين السوريين وخروج الدولة من مستنقع «النأي بالنفس» يمنع النظام السوري من استخدام لبنان ساحة خلفية.
الثاني: ان جنبلاط يعرف تماما توزع الجغرافيا السياسية للداخل السوري ويدرك أهميته وبالتالي فإن فضح جنبلاط لخطورة استهداف حمص واعتبارها كستالينغراد في مفصلية المعركة الدائرة كشف لحكام دمشق مخططا طويل الأمد يهدف الى قطع اي تواصل بين المناطق السورية ومعظم هذا التواصل يمر عبر حمص، كما ان اركان النظام يدركون ان شرائح من الشعب السوري التي مازالت خائفة او مضللة تسمع كلام جنبلاط وتصغي له ولاسيما في مناطق حوران والسويداء وحلب.
الثالث: هو في حركية جنبلاط الخارجية والتي هدفت الى مساعدة الثورة السورية سواء كان في الدوحة او موسكو او انقرة وقادة النظام السوري يعرفون ان هذه الحركة الجنبلاطية لا تخدمهم بل انها تستهدف فضح ممارستهم القمعية.