Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
«المستقبل» يعيد النظر في علاقته مع بري: إشارات وإشادات ومراهنات
4 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء
لم يتأخر تيار المستقبل في تلقف خطاب الرئيس نبيه بري الذي ألقاه في النبطية بذكرى الإمام المغيب موسى الصدر، ولم يتردد في ملاقاته والإشادة به وإطلاق إشارات الود والتقدير: رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة أجرى اتصالا ببري مثمنا الكلمة التي تضمنت التشديد على الوحدة الوطنية والإسلامية ونبذ الفتنة والحض على المصلحة العربية العليا، وأبلغه الرغبة في زيارته قريبا آملا أن تكون كلمته في النبطية منطلقا للمتابعة والتواصل في المستقبل. النائبة بهية الحريري نوهت بخطاب بري ورأت أن «كلامه كان مريحا جدا وبمنزلة صرخة ونداء ينطلق من استشعاره خطورة المرحلة». النائب نهاد المشنوق قال في رده على نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم (حول اعتباره الدعوة الى نشر اليونيفيل على الحدود مع سورية مشروعا إسرائيليا أميركيا): «ليت الشيخ قاسم يتعلم من الرئيس نبيه بري دروسا في نصوص الوحدة الوطنية بدلا من لغة التخوين التي لا تشبه إلا قائلها». النائب باسم الشاب عضو كتلة المستقبل شدد على أهمية «فتح قنوات حوار مع بري» وعلى «أهمية فتح حوار مع فريق شيعي في هذه الأزمة، لأنه إذا لم ننفتح ونتحاور سندفع ثمن ما يحصل في سورية»، منطلقا من أهمية الكلام المعتدل والوطني الذي قاله الرئيس بري في النبطية.
في الواقع، هذه الحالة الإيجابية من جانب تيار المستقبل تجاه الرئيس بري كانت بدأت قبل خطاب النبطية (قال فيه بري: «نحن نشهد أننا شيعيو الهوية، سنيو الهوى، لبنانيو الحمى والمنتهى»، مشددا على الوحدة الوطنية، ومعتبرا أن المقاومة والحدود مسؤولية الدولة، ومحذرا من الفتنة وتحويل وجهة الصراع من عربي إسرائيلي الى عربي فارسي والى إسلامي ـ إسلامي (سني ـ شيعي)، وموجها نداء الى العقل العربي والعقل السوري لوقف نزيف الدم وسلوك طريق الحوار). هذه الحالة كانت بدأت منذ فترة وجيزة وتحديدا منذ «النداء الصرخة» الذي أطلقه الرئيس بري بعد نشوب أحداث أمنية مقلقة (حوادث الخطف وقطع الطريق واشتباكات طرابلس)، وقبل ذلك عندما أعلن موقفه الشهير بكسر يد كل من يقطع طريق المطار أيا تكن قضيته. ومجمل هذه المواقف شدت أنظار تيار المستقبل وأثارت اهتمامه وكانت بمثابة «الشرارة» التي أشعلت نقاشا سياسيا داخل صفوفه وعلى مستويات قيادية عليا، تمحور حول الرئيس نبيه بري ومواقفه الأخيرة المتميزة والمتمايزة عن حزب لله وإمكانية البناء والتعويل عليها سياسيا ووطنيا، وصوابية وجدوى الانفتاح على بري والرهان عليه مجددا بعد خيبات الفترة السابقة.
في هذا النقاش السياسي الداخلي، ظهر توافق في الآراء حول الأسباب والدوافع التي تملى على بري اتخاذ مثل هذه المواقف وهي في معظمها تندرج تحت عنوان استشعار بري لدقة وخطورة المرحلة وتداعياتها وأضرارها على مجمل الاستقرار العام، وأيضا على الطائفة الشيعية وعلى دوره وموقعه إذا استمرت الأمور والأوضاع في هذا المنحى الانحداري نحو «الفوضى والفتنة»، وبالتالي فإن بري لديه الرغبة والإرادة في التمايز وفي أخذ مسافة من حزب لله لإعادة بلورة حيثية سياسية خاصة ولحفظ دوره في المرحلة المقبلة مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية وما قبل الانتخابات الرئاسية وأيا يكن مصير النظام السوري. في المقابل، ظهر تباين في الآراء حول كيفية التعاطي مع بري في المستقبل وبرز رأيان وتوجهان:
٭ الأول وقد بات يمثل توجها أقلويا داخل تيار المستقبل، يعتبر أنه من الخطأ الرهان على بري مجددا وإعادة تعويمه سياسيا من خلفية أنه قوة منافسة ومزعجة لحزب لله على الساحة الشيعية، لأن التجارب في السنوات الماضية كانت كافية لتأكيد أن بري كان وسيظل خاضعا لحزب لله وواقعا تحت تأثيره ونفوذه وليس في وارد التحرر منه لسببين على الأقل: بري يضع مصلحة الطائفة الشيعية فوق كل اعتبار ويعمل مع حزب لله في إطار مشروع استراتيجي واحد. وحزب الله يقيد بري ويتحكم بمصيره السياسي ولديه تأثير حاسم على الشارع الشيعي وحركة أمل، وبري يتصرف من ضمن هذا الواقع والهامش المتاح له للتحرك والمناورة. ويخلص أصحاب هذا الرأي الى عدم الوقوع في أخطاء المرحلة السابقة وعدم التجديد للرئيس بري في رئاسة مجلس النواب وعدم تكرار تجربة حكومات الوحدة والشراكة.
٭ الرأي الثاني وقد بات يمثل توجها أكثريا يدعو الى الانفتاح على بري وفتح قنوات حوار وتواصل وتعاون معه لأسباب كثيرة تجعل أ هذا الخيار السياسي حيويا وضروريا وليس من خيار أفضل منه، ومن هذه الأسباب:
1 ـ لا بديل عن بري في الطائفة الشيعية ولا منافس له كشخصية لها وزن وثقل وبإمكانها إبرام تفاهمات وصياغة تسويات، فهو الوحيد الذي يمثل ثقلا موازيا ومنافسا لحزب لله والذي لديه النفوذ والتأثير والتحريك داخل الطائفة وفي الشارع الشيعي، بدليل المشاركة الشيعية الواسعة والتي فاقت التوقعات في مهرجان النبطية قبل أيام.
2 ـ نبيه بري يظل يمثل الاعتدال الشيعي مثلما يمثل سعد الحريري قوة الاعتدال السني. وبخلاف حزب لله، نزعته «عربية» وسياسته من خلفية «براغماتية» لا أيديولوجية، وهو ينتمي الى «حزب الدولة»، بمعنى أنه من مناصري «مشروع الدولة» ومقتنع أن الدولة هي مصلحة للشيعة وضمانة وحماية، وأن مصلحته هو تقع مع الدولة وضمنها وليس خارجها ومع أي طرف مهما بلغ من قوة. الرئيس بري منذ ثلاثة عقود يستمد قوته وشعبيته من الدولة التي يسيطر على الجانب الشيعي فيها.
3 ـ نبيه بري آخر سيكون بعد سقوط النظام السوري وتحرره من أعباء العلاقة الإقليمية وتعزز النزعة الاستقلالية لديه. فهو يتحين الفرصة للإفلات من شراكة قسرية مع العماد ميشال عون ولاستئناف العلاقة مع الحريري بالتنسيق والتعاون مع جنبلاط، وهو متحمس لتسوية سياسية بين السنة والشيعة لا يمكن أن تقوم من دون حوار بين تيار المستقبل وحزب لله يكون هو عرابه.
وخلاصة كل ذلك أن الرئيس نبيه بري مرشح مجددا لأن يكون رجل المرحلة، وأن الرهان عليه من جديد هو رهان منطقي وواقعي، لذلك فإنه دخل مرحلة إعادة التموضع.