بيروت ـ د.ناصر زيدان
قبيل بداية العام الميلادي الجديد غصت شاشات التلفزة، وموجات الاثير الإذاعية، وصفحات الجرائد والمجلات، بالكلام عن توقعات المنجمين وتحليلاتهم لمسار الابراج والكواكب، حاملة مشاهد غريبة عجيبة يتسابق المواطنون لسماعها وقراءتها وتبادل الحديث عنها، والمقارنة بين توقعات كل من المنجمين بحيث اصبحت شهرة هؤلاء تتجاوز شهرة ابرز القادة والسياسيين والفنانين.
والتنجيم ليس صناعة حديثة ومتطورة كالصفائح الإلكترونية الذكية وشبكات التواصل السريعة عبر الإنترنت، بل انه سمة قديمة العهد، أو «علم» على ما يحلو للبعض تسميته، تناقلت اخباره الأجيال منذ زمن بعيد، وقيل ان قادة كبارا كانوا يستشيرون المنجمين قبل إقدامهم على أعمال كبيرة، أو قبل خوضهم معارك عسكرية مفصلية، وغالبا ما كانت تحليلاتهم توقع المسؤولين في الشرك، الى ان قيل الكلام الكثير في مواجهة ادعاءات هؤلاء، منها القول الشهير «كذب المنجمون ولو صدقوا».
غالبا تلقي تحليلات المنجمين الرواج عند الشعوب المضطربة، أو غير المستقرة، أو في الساحات التي تشهد أحداثا غير عادية، وتتقلص انتاجية هؤلاء المنجمين في الدول المستقرة، أو التي تعيش في حالة من الرخاء والأمان.
الساحة اللبنانية شهدت هذه السنة كما واسعا من التحليلات والتوقعات، وظهر المنجمون والعرافون على وسائل الإعلام قبيل بداية العام الجديد نجوما تنشد اليهم آذان المستمعين، وعيون القراء، ولم تقتصر تحليلاتهم على الساحة اللبنانية، بل توسعت لتشمل الدول العربية وقادتها، وكذلك أهم الدول الكبرى وزعمائها.
ما اثار الدهشة والاستغراب، وادخل شيئا من السخرية في نفوس الكثيرين، هو بروز توقعات لمنجمين تتناسب مع مصلحة الجهات السياسية التي تتعاطف معها وسائل الإعلام بحيث جاءت معظم تمنياتهم حسب ما يرغب بحصولها أهل السياسة، وتصب في مصلحتهم، أكثر مما هي إيحاءات مجردة، أو مستقلة.
فمايك فغالي الذي ظهر على شاشة OTV كانت معظم توقعاته متناسبة مع ما يرغب في حصوله التيار الوطني الحر، الذي يملك معظم أسهم المحطة، خصوصا تشاؤمه من الأوضاع في الدول العربية التي لا يستسيغ سياستها التيار، لاسيما الدول الخليجية، إضافة الى تشاؤمه من مستقبل الانتفاضات العربية، وتخويف المسيحيين من الاضطهاد وخطر الهجرة.
وليلى عبداللطيف التي ظهرت على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال كان في توقعاتها شيء يشبه سياسة المحطة المتوازنة، فنصفت معظم القيادات والأحزاب، وحذرت الجميع من خطر الاغتيالات الى ان وصل بها الأمر للحديث عن اعتصام موظفي كازينو لبنان، بحكم الجيرة بين مقر المحطة ومبنى الكازينو، وليس في الأمر أي أهمية بالنسبة للأوضاع العامة في لبنان.
اما العراف الشهيرة ميشال حايك الذي تحدث من على شاشة MTV فتوقع خيرا للسياسيين المحسوبين على قوى 14 آذار، وهؤلاء تتعاطف معهم المحطة، وكان متشائما فيما يتعلق بمستقبل أداء الحكومة، ووضع الكهرباء وحالة مطار بيروت، وتحدث عن نزوح سياسي وفق هاجس تتخوف منه قوى المعارضة.
السياق الذي يتحدث فيه كل هؤلاء وغيرهم من الخبراء في توقعات الأبراج، معظمه جزء من المشهد العام، لأنه كلام عام يتعلق بأحداث عادة ما تحصل، فمعظم التوقعات تتراوح بين تفجير من هنا وموت سياسي من هناك أو تبديلات في نمط الحكم وكل ذلك مقاربات واقعية لا يمكن للمسار السياسي العام ان يسير من دون احداث مشابهة لها.
في معظم توقعات المنجمين هذا العام رسائل سياسية، أضافت الى قاموس المفردات المتداولة مصطلح «التنجيم السياسي».