منذ خروج الرئيس سعد الحريري من لبنان إثر خروجه القسري من الحكم، طرأ تعديل أساسي على برنامج المستقبل و14 آذار في إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري يوم 14 فبراير. وللسنة الثانية على التوالي، تتخلى 14 آذار عن «المد الجماهيري» وتغلب الطابع السياسي، وبدل إقامة مهرجان شعبي في فضاء بيروت تقيم مهرجانا سياسيا في قاعة مقفلة (البيال). تعديل ثان طرأ هذا العام على المشهد السياسي مع تغيب قادة الصف الأول من مسيحيي 14 آذار. وإذا كان غياب د.سمير جعجع مبررا بالسبب الأمني وجرى التعويض عن الغياب بإرساله وفدا رفيع المستوى (ستريدا جعجع ـ جورج عدوان ـ أنطوان زهرا ـ إيلي كيروز ـ إدي أبي اللمع وآخرون)، برز غياب الرئيس الجميل الذي لم يوفد أحدا من أفراد العائلة، فيما بدا حضور النائب إيلي ماروني بصفة شخصية أكثر منها حزبية. وعلم أن النائب بطرس حرب كان من المقرر أن يلقي كلمة في المناسبة باسم المستقلين المسيحيين ولكن تم صرف النظر عن ذلك عشية الاحتفال إثر مداخلات سياسية.
في ظل حضور سياسي وديبلوماسي تصدره السفير السعودي والسفيرة الأميركية وبرز فيه التمثيل على مستوى متدن للحزب الاشتراكي الذي لم يحضر أي من وزرائه ونوابه، ألقى منسق الأمانة العامة لـ 14 آذار كلمة شدد فيها على «رد الاعتبار» الى اتفاق الطائف ورد الاعتبار الى مشروع الدولة ورد الاعتبار الى السياسة، ولكنه لم يشر الى مسألة رد الاعتبار لـ 14 آذار بعد كل ما مرت به في الآونة الأخيرة من خلافات واهتزازات. أما الصوت الشيعي في المهرجان الذي كان في السابق صوتا سياسيا بامتياز عبر الوزير السابق محمد عبدالحميد بيضون فقد استعيض عنه «بصوت مدني» ربما لاعتبارات العلاقة المتجددة مع الرئيس بري وتفادي استفزازه. فقد ألقى الشاب مصطفى فحص كلمة باسم «المجتمع المدني» استهلها بـ «اسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم» ونجحت في حصد تصفيق الشباب الحاضر وإثارة حماسته.
واختتم المهرجان بكلمة الرئيس سعد الحريري بثت عبر شاشة ضخمة بعدما ساد اعتقاد حتى يوم المهرجان أن الحريري سيفجر مفاجأة عودته ولو لساعات الى بيروت للمشاركة الشخصية في المهرجان وزيارة ضريح والده، ويمكن القول ان كلمة الحريري هي «خطاب سياسي بامتياز، ومن أكثر خطبه تماسكا ومضمونا وكثافة أفكار ومعادلات ورسائل سياسية». خطاب تضمن «جديدا» يصدر عن الحريري للمرة الأولى، خطاب لم يوفر من انتقاداته أحدا ويزيد من خصوم الحريري أكثر مما يزيد من حلفائه، أما أبرز الجديد في خطاب الحريري:
1 ـ الحديث للمرة الأولى عن «السلاح التكفيري» وخطره بعدما كان خطر السلاح محصورا بسلاح حزب الله، وبغض النظر عن الأسباب التخفيفية التي يعطيها الحريري لـ «سلاح التكفيريين» كونه رد فعل على سلاح حزب الله ونشأ بسببه، وثمة تفاوت كبير في الحجم بين «ترسانة سلاح» و«فتات السلاح». إلا أن الموقف يعني في فحواه أن البلد بات يحوي سلاحين متوازنين على الجبهتين الشيعية والسنية مع فارق الأحجام والتسميات والوظائف، وهذا الموقف بقدر ما يعني أن التعبئة السياسية والشعبية ضد سلاح واحد لم يعد ممكنا، يعني أيضا ربط نزع سلاح التطرف السني بنزع السلاح الشيعي من منطلق أن الأول هو نتيجة للثاني والثاني هو ذريعة وحجة للأول.
2 ـ التشديد على هوية تيار المستقبل كتيار سياسي مدني ديموقراطي معتدل، وهذا التحديد أو التصنيف يضع المستقبل في مواجهة سياسية فكرية مع «الإسلاميين»، لكنه يعكس توجها متعمدا لدى الحريري أن يقدم نفسه وتياره أنه يمثل قوة «الاعتدال السني» وأن يضع خصومه في 8 آذار ولاسيما الفريق الشيعي أمام خيارين على الساحة السنية: خيار الاعتدال أو خيار التطرف، ليصل الى استنتاج منطقي بأنه بات يشكل حاجة وضرورة للطائفة الشيعية التي لها مصلحة في فتح حوار معه وتسهيل عودته.
3 ـ خطاب الحريري يعكس في عمقه رسالة حوار موجهة الى الشيعة وإن جاءت مغلفة بهجوم عنيف على حزب الله وبتحديد عنوان الطرف الشيعي المحاور وهو «الاعتدال». الحريري في خطابه حدد وجهته السياسية المستقبلية وهي «الحوار والتسوية مع الشيعة» وإن جاء هذا التحديد مرفقا بالتأكيد على استمرار التحالف مع 14 آذار، لكن الحريري بدا جافا في إشاراته السياسية تجاه المسيحيين وحلفائه في 14 آذار التي لم تكن إشارات ودية بقدر ما كانت انتقادية ولاذعة عندما أشار الى أن الشهداء من الرئيس الحريري الى اللواء الحسن لم يسقطوا من أجل مقاعد نيابية ومغانم سياسية وقانون انتخابات، وعندما وضع المشروع الأرثوذكسي الذي مشت به القوات والكتائب في خانة خدمة مشروع حزب الله للسيطرة على البرلمان والإطباق على الدولة وليس في أي خانة أخرى لها صلة بالتمثيل المسيحي والمناصفة الفعلية، وعندما لا يعطي أي أولوية لقانون الانتخاب وإنما يضعه في مرتبة هامشية موجها الأنظار الى جوهر المشكلة وهي «سلاح حزب الله» وما أحدثه من خلل في المثلث الذهبي الحقيقي الذي ترتكز عليه دولة لبنان: العيش المشترك والحياد الإيجابي وحصرية السلطة.
4 ـ الحريري في خطابه بدا مرتاحا وواثقا بوضعه أكثر من أي وقت مضى، الى حد التعهد بالعودة قريبا الى بيروت لخوض الانتخابات أيا كان القانون. والتعهد بعدم الاستقواء بالحدث السوري عندما يحصل السقوط الحتمي للأسد، والى حد التحدث من خلفية أنه العائد الى الحكم ورئاسة الحكومة مقدما من الآن «خطاب رجل دولة»، لكنه خطاب لا يخلو من تناقض: خطاب معتدل في مراميه الوطنية ونواياه الطيبة، خطاب ناري في تعابيره ومناخه العام الانتقادي والحاد الذي يعيد فتح باب المشكلة مع حزب الله ويضيف إليها أبوابا أخرى كانت مغلقة على الساحتين المسيحية (القوات والكتائب) والسنية (الإسلاميون والمتطرفون).