Note: English translation is not 100% accurate
التمديد لـ «ريفي» النقطة التي طفح بها الكيل والورقة التي لعبت لـ «خروج مشرف»
لهذه الأسباب «مجتمعة» استقال ميقاتي
27 مارس 2013
المصدر : الأنباء

الرئيس نجيب ميقاتي راودته فكرة الاستقالة ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة صارت واقعا، المرة الأولى كانت عندما فتح موضوع تمويل المحكمة الدولية وكان هذا الموضوع يلقى معارضة قوية من جانب حزب الله الذي كان موضوع «المحكمة» وكل ما يمت له بصلة من تمويل وشهود زور سببا رئيسيا من الأسباب التي دفعته الى إطاحة حكومة الحريري، يومها لوّح ميقاتي بالاستقالة وكان له ما أراد، لأن حزب الله وبعد أشهر على تفجر الأحداث في سورية صار مهتما أكثر بتثبيت الحكومة ودعم ميقاتي ومده بكل أسباب الاستمرار والصمود وتمكينه من مواجهة الضغوط الهائلة التي كان يتعرض لها من داخل طائفته بعدما أعلن الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل حربا مفتوحة عليه.
المرة الثانية كانت عند اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، كانت هذه أصعب لحظة يمر بها الرئيس ميقاتي منذ أن وطأت قدماه أرض السرايا، فاللواء الحسن لم يكن مجرد ضابط كبير، وإنما بفعل التجربة والخبرة الأمنية التي راكمها عبر رئاسته فرع المعلومات، وشبكة العلاقات الخارجية التي نسجها وعلاقته الوطيدة الجيدة مع عائلة الحريري، بات من الرموز الأساسية في الطائفة السنية وصاحب أهم موقع أمني محسوب لها وعليها في معادلة الحكم والدولة، فكر ميقاتي آنذاك جديا في الاستقالة، لا بل قررها وأعد كتاب استقالته وكان على وشك إعلانها، ولكنه لم يفعل لثلاثة أسباب: الأول يتصل بالموقف الذي أخذه الرئيس ميشال سليمان بالتنسيق مع ميقاتي لاحتواء الغضب السني بأن جرى ربط الاغتيال بقضية «سماحة مملوك» والتصميم الرئاسي على متابعة هذا الملف قضائيا، وأيضا الموقف الذي أخذه شركاء ميقاتي في الحكومة بأن فوضوا إليه اختيار من يخلف الحسن على رأس فرع المعلومات (العقيد عماد عثمان)، والسبب الثاني يتصل بالطريقة التي تصرف بها تيار المستقبل (وقوى 14 آذار) وردة فعله والتي ذهبت باتجاه ميقاتي وتحميله دم الحسن ودعوته للاستقالة تحت ضغط الشارع السني وشارع 14 آذار الذي تحرك للمرة الأولى باتجاه السرايا، أما السبب الثالث والأهم، فإنه تمثل في الموقف الدولي حيث سجل تحركا غير مسبوق في سرعته (فوري وعاجل) وشكله «سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن زائد الاتحاد الأوروبي» ومضمونه «الربط بين الاستقرار واستمرار حكومة ميقاتي»، كان واضحا أن الحكومة حتى ذلك الحين كانت لاتزال تشكل حاجة وضرورة في مجالين: الاستقرار اللبناني خصوصا وأن حزب الله داخل الحكومة يلعب دورا أساسيا في خدمة هذا الاستقرار ووجوده فيها يشكل عامل ضبط ولجم له، إضافة الى تحييد لبنان عن الأزمة السورية التي لها أولوية مطلقة في حسابات المجتمع الدولي وأجندته الشرق أوسطية.
لم يستقل ميقاتي بعد اغتيال اللواء الحسن ولكنه لم يعد متحمسا للبقاء بأي ثمن، كان يشعر بأن بقاءه على رأس الحكومة بات مكلفا ويأكل من رصيده، وأن خروجه مسألة وقت وتوقيت، وأن الأوضاع تسير من سيئ الى أسوأ وتضيق عليه الخناق من كل الجهات، وفي حين لم يوقف خصومه الحملات عليه رغم كل ما فعله لحماية مصالح الطائفة السنية ورجالاتها في الدولة، فإنه لم يسلم من حلفائه الذين لم يدعموه كما يجب وإنما قيدوا حركته وقراراته.
لم يكتم ميقاتي شعور الضيق، اعترف بأن الحكومة غير متماسكة وغير متجانسة، وقال صراحة إن البلد يحتاج الى حكومة استثنائية، وأنه لن يكون عائقا أمامها إن صار توافق عليها.
ومن مطلع هذا العام، صارت الأمور تصعب وتضيق، وبات ميقاتي متأكدا أن لحظة خروجه من الحكم تقترب وبسرعة، التوترات والمشاكل الأمنية وعلى خلفية مذهبية تتسع وتنتشر من الجنوب الى الشمال، الانتخابات صارت في مهب الريح بعدما حشرت بين قانون أرثوذكسي يحوز أكثرية نيابية ولكنه لا يتمتع بشرعية قانونية وسياسية، وقانون الستين الذي مازالت له «شرعية قانونية» ولكن بات يفتقر الى شرعية سياسية، تأكد ميقاتي أن الانتخابات لن تجري وأن محاولة إجرائها على أساس قانون الـ 60 لن يكتب لها النجاح، فلم يعد في وارد أن يؤمن تغطية سياسية لواقع «اللاانتخابات» وما يمكن أن ينتج عنه من تمديد أو فراغ على صعيد مجلس النواب، الانتخابات سبب أساسي من الأسباب التي دفعت ميقاتي الى الاستقالة من بين أسباب كثيرة ولكنها ليست السبب الأهم، وللتذكير فقط، فإن ميقاتي كان قد ربط بين استقالة الحكومة والتوصل الى قانون جديد للانتخابات متوافق عليه، ولكن الاستقالة حصلت مع أن أي توافق على قانون جديد للانتخابات لم يحصل، وهذا يعني أن هناك أسبابا أخرى دافعة للاستقالة أهم من قانون الانتخابات، ويمكن إدراجها في ثلاثة عناوين أساسية:
1 - تطورات الأزمة السورية سواء تلك التي تنبئ بأن الأزمة دخلت منعطفا حاسما مع انسداد أفق الحل السياسي واحتدام القتال وتحول الموقف العربي والأوروبي باتجاه تسليح المعارضة السورية وتضييق الخناق على نظام الأسد، أو تلك التي تزيد من حجم التداخل والتشابك بين الأزمة السورية والوضع اللبناني الذي بات يرزح تحت مفاعيل وتأثيرات هذه الأزمة، وبسببها صار استقراره العام الأمني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي مهددا، خصوصا أن سياسة النأي بالنفس استنفدت وتآكلت وتجاوزتها الأحداث، كما لم يعد «إعلان بعبدا» كافيا لتحييد لبنان عن سورية وبات بحاجة الى تفعيله وتجديد الالتزام به، وهذا ما أدى الى وضع الحكومة بين فكي كماشة: التوترات والخروقات والاشتباكات الحدودية من جهة، والتوترات والمشاكل المذهبية الداخلية من جهة ثانية، ومن الصعب على ميقاتي تحمل مسؤولية وعواقب هذا الوضع المتجه الى الأسوأ، ولا هو قادر على رئاسة حكومة يخرق وزير خارجيتها سياسة النأي بالنفس ويأخذ مواقف منحازة للنظام السوري على نحو ما حصل في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، خصوصا أن هذه السياسة تضع لبنان في مواجهة مع دول الخليج لا طاقة له على تحملها ولا مصلحة له فيها.
2 - وضع حزب الله الشريك الرئيسي في الحكومة، فقد نجح ميقاتي قولا وفعلا في إثبات أن حكومته ليست حكومة حزب الله وإنما حكومة ائتلافية، التيار الوسطي فيها بمؤازرة الرئيس نبيه بري لعب دورا في حفظ حد أدنى من توازن سياسي فيها، ولكن ميقاتي لم يقو على احتواء الحملة الدولية العربية التي اشتدت ضد حزب الله في الآونة الأخيرة سواء تلك التي أتت من جهة أوروبا وتدفع الى تصنيفه منظمة إرهابية بضغط أميركي استنادا الى اتهامات صادرة عن حكومتي بلغاريا (تفجير بورغاس) وقبرص (نشاط أمني لحزب الله)، أو سواء تلك التي أتت من جهة دول الخليج التي فتحت، لاسيما السعودية، ملف التدخلات والأنشطة الأمنية والمخابراتية الإيرانية، وحزب الله جزء منها، في البحرين والإمارات واليمن، وأخيرا في السعودية التي أعلنت عن توقيف شبكة جاسوسية فيها يحركها إيراني ولبناني، ويضاف الى ذلك تدخل أو تورط حزب الله في القتال في سورية.
3 - تبدل الموقف الدولي (الأميركي - الأوروبي) في نظرته الى الحكومة وفي تقييمه لها، فهذا الموقف الذي كان متمسكا بحكومة ميقاتي «على علاتها» وكان قد حال دون سقوطها قبل ستة أشهر، لم يعد متعلقا بها ولم يعد متحمسا لبقائها، وهذا ما يفسر كيف أن استقالة ميقاتي شكلت مفاجأة، ولكن ليس صدمة، للمجتمع الدولي الذي لم يبذل جهدا لمنع حصولها ولم يظهر اهتماما زائدا، واكتفي بأن أخذ علما بها، هذا التبدل يعود بشكل أساسي الى أن الحكومة فقدت وظيفتها السياسية والقدرة على أداء دورها ومهمتها في ثلاثة مجالات أساسية تهم المجتمع الدولي هي : حفظ الاستقرار، إجراء الانتخابات، تحييد لبنان عن الأزمة السورية، وبالتالي لم يعد لوجودها قيمة وجدوى وتحولت بالنسبة الى المجتمع الدولي والعربي من «حاجة وضرورة مطلوب استمرارها» الى عبء غير مرغوب في استمراره، تحت وطأة هذه الأحداث والتطورات المتدافعة داخليا وخارجيا وفي اتجاه سلبي ترسخت القناعة لدى ميقاتي بالمغادرة وأخذ قرار الاستقالة، وما كان ينقص هو «التوقيت والإخراج»، فالرئيس ميقاتي يريد خروجا مشرفا من رئاسة الحكومة، خروجا من الحكم لا يكون خروجا من الحياة السياسية، خروجا يصالحه مع طائفته أولا ويرد إليه الاعتبار بعد حملات ظالمة، مسألة التمديد لمدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي كانت النقطة التي طفح بها كيل ميقاتي من شركائه في الحكومة، كانت «الشعرة» التي قصمت «ظهر» العلاقة مع حزب الله، أصر ميقاتي على التمديد للواء ريفي الذي أتى به الى هذا المنصب في حكومته الأولى (2005)، والذي اكتسب أهمية ورمزية ريفي في المنظومة الأمنية اللبنانية وفي طرابلس والطائفة السنية، ولكن حزب الله رفض التمديد لريفي، ووقعت الواقعة بين ميقاتي وحزب الله وطارت الحكومة، وتبين أن اللواء ريفي عند ميقاتي هو أهم من الحكومة، وعند حزب الله هو أهم من ميقاتي.