Note: English translation is not 100% accurate
تحليل اخباري
«شرعية المجلس الشرعي» و«حملة إقالة المفتي» «أزمة ـ سابقة» في الطائفة السنية
16 ابريل 2013
المصدر : الأنباء
الطائفة السنية في لبنان هي الطائفة الأكثر عرضة لتحولات وتقلبات في السنوات والأشهر الأخيرة. هذه الطائفة الأكبر عددا والمتصدرة في السلطة منذ اتفاق الطائف والتي كانت في قلب الحدث اللبناني وفي عين العاصفة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وماتزال حتى اليوم، كانت دخلت مرحلة جديدة منذ عامين عرفت في خلالهما الكثير من التغييرات والمعطيات الجديدة على الأرض وفي الخارطة السياسية. ويمكن القول إن عاملين رئيسيين تضافرا في التسبب بهذا الوضع الجديد:
٭ العامل الأول «محلي» ويتمثل في خروج تيار المستقبل من الحكم لأول مرة منذ العام 2005 وخروج رئيسه سعد الحريري من البلد لإقامة قسرية في المملكة السعودية، حيث يدير أوضاع المستقبل والطائفة و14 آذار «عن بعد»، وأثبتت التجارب والأحداث أن خروج المستقبل من السلطة ووجود الحريري في الخارج كانا من الأسباب التي أدت الى حصول اهتزازات وتصدعات داخل قوى 14 آذار بلغت ذروتها أخيرا حول قانون الانتخاب، والى «تراخي قبضة» المستقبل في الإمساك بالوضع السني كما كان الحال عليه من قبل رغم جهود الرئيس السنيورة لملء الفراغ السياسي وجهود أحمد الحريري لملء الفراغ على الأرض. وكانت النتيجة نشوء «مراكز قوى» في الطائفة ونقاط جذب واستقطاب أخرى منافسة ومزاحمة لـ «المستقبل».
٭ العامل الثاني «إقليمي» يتمثل في ثورات الربيع العربي، وخصوصا الصراع الذي انفجر في سورية منذ عامين وكان بدأ ثورة شعبية وتحول الى «حرب مسلحة». وهذا الصراع، الذي يجري في دولة مجاورة للبنان تربطه بها صلات تاريخية وجغرافية وسكانية، تفاعلت معه الطائفة السنية منذ البداية وظهر موقف سني عام داعم للثورة والمعارضة في وجه نظام الأسد. وأدت الأحداث وكلما طال أمد الصراع الى نشوء ونمو حركات وتنظيمات إسلامية أصولية ومتطرفة لم تكن موجودة من قبل أو كانت «على الهامش»، وباتت اليوم رغم أنها أقلية تسيطر على الأرض وتفرض وجودها وتلقي بثقلها على المناخ السني واللبناني العام. هذا ما حصل في طرابلس مع بروز وهيمنة الحالة الإسلامية السلفية، وهذا ما حصل في صيدا مع بروز حالة أو ظاهرة الشيخ أحمد الأسير. وبدأ الوضع يتطور الى «تصادم فكري وسياسي» بين هذه الحالات المتطرفة وتيار المستقبل الذي أعلن زعيمه الحريري أنه تيار سياسي مدني معتدل معني بمحاربة التطرف.
صحيح ان تعاظم الحركة الإسلامية السنية في لبنان كان سببه المباشر الثورة السنية في سورية، ولكن لا يمكن إغفال سبب آخر يتصل بواقع إحباط متراكم داخل الطائفة التي يساورها شعور بأنها مستهدفة وفي خطر، منذ اغتيال الرئيس الحريري إلى اغتيال اللواء الحسن وما بينهما من أحداث 7 أيار ووضع حزب لله يده على العاصمة بيروت وسقوط حكومة سعد الحريري ووضع حزب الله يده على حكومة ميقاتي، وشعور الإحباط كان يقترن ويتغذى بشعور آخر هو ان المستقبل لا يتقن إدارة الوضع ويرتكب أخطاء ولا يعرف كيف يواجه حزب لله.
وهذا ما أدى إلى خسارته السلطة التي لا يستطيع استعادتها رغم سقوط حكومة ميقاتي، وأدى الى إضعاف 14 آذار غير القادرة على خوض معركة الحكومة حتى النهاية. وهذا ما يؤدي اليوم إلى حصول شرخ غير مسبوق داخل الطائفة السنية وعلى المستوى «الأعلى» (المجلس الشرعي الأعلى). صحيح ان المفتي محمد رشيد قباني هو المسؤول المباشر عن هذا الشرخ والوصول إلى هذا الوضع المأزوم بسبب إصراره على إجراء وفرض انتخابات «أمر واقع» ضاربا عرض الحائط مناشدة الرئيس نجيب ميقاتي وقرار مجلس شورى الدولة بوقف الانتخابات وحالة الانقسام داخل الطائفة التي أنتجت انتخابات غير مكتملة الشروط والمواصفات نصابا وترشيحا. ولكن الصحيح أيضا أن قيادة المستقبل تتحمل مسؤولية فيما آل إليه الوضع إن لجهة عدم توصلها الى وسيلة للتفاهم مع المفتي قباني أو احتوائه والى وسيلة لمنع حصول الانتخابات بالطرق الديموقراطية المشروعة وبنسف مرتكزاتها القانونية على نحو كامل وغير جزئي كما حصل.
وبعد هذه الانتخابات الناقصة المشكوك بقانونيتها ولكنها أوجدت واقعا جديدا، فإن الوضع بات أكثر تعقيدا وتأزما: من جهة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى بات «مجلسين متنازعين»: واحد ممدد له يكتسب شرعية سياسية أكثر من قانونية، وثان معين بالتزكية ومطعون بشرعيته القانونية ولا يكتسب شرعية سياسية رغم التغطية التي أمنها له الرئيس سليم الحص مخترقا الجو السني العام وموقف رؤساء الحكومات السابقين.
من جهة ثانية، فإن ربط النزاع القانوني السياسي بين المستقبل والمفتي قباني تجاوز موضوع المجلس الشرعي وشرعيته، إلى حملة على مفتي الجمهورية وشرعية استمراره في منصبه، وتبرز مؤشرات متزايدة الى رغبة وتوجه لدى المستقبل للإطاحة بالمفتي قباني وتدفيعه ثمن «فعلته» وإطلاق حملة ضغوط لإقالته باعتباره أنه بات يشكل عامل اختراق سياسي للطائفة السنية ومصدر تهديد لوحدتها وتماسكها وصلابة موقفها في هذه المرحلة الأهم والأخطر.