Note: English translation is not 100% accurate
هل هي بداية تفكك 8 آذار وخلط أوراق واصطفاف جديد.. أم هناك اتفاق على تنظيم الخلاف؟
ماذا يجري في مثلث «بري ـ عون ـ حزب الله»؟
13 يوليو 2013
المصدر : الأنباء



لطالما سعى بري إلى حكومة «وحدة وطنية» برئاسة الحريري باعتبار أن التوتر السني - الشيعي تطور سلباً بعد خروج «المستقبل» من الحكمإعلان الرئيس نبيه بري أن «8 آذار» لم تعد موجودة كتحالف وفريق واحد، لم يشكل مفاجأة سياسية. فقد سبق له وقبل أشهر أن أعلن انه بعد الانتخابات النيابية لن يعود هناك 8 و14 آذار وأن اللعبة السياسية ستكون محكومة بتحالفات واصطفافات جديدة تكسر من حدة الانقسام والفرز القائمين منذ أعوام على هذا الأساس.. الانتخابات النيابية لم تحصل ولكن تفكك 8 آذار بدأ يحصل في مرحلة ما بعد التمديد بعدما كان فريق 14 آذار شهد اهتزازا قويا وواجه خطر التفكك في مرحلة ما قبل التمديد عندما كانت معركة الانتخابات جارية على خطين: اعداد القانون الجديد وإعداد اللوائح والترشيحات.
الرئيس بري لم يعد متحمسا لصيغة 8 آذار ولم يعد مقتنعا بها كإطار سياسي للمرحلة المقبلة، لا بل كان دوما يتحين الفرصة للخروج من هذا الإطار الذي يقيد حركته وهامش القرار والمناورة لديه وينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي ينفك فيها عرى التحالف بين حزب الله والعماد ميشال عون، فهو لطالما تصرف مع عون بصفته حليف حليفه، ولم يتعامل معه كحليف سياسي ولم ترق علاقتهما يوما الى مستوى علاقة بري مع جنبلاط، وفي الآونة الاخيرة بدأ بري يلاحظ ويجد ان ما يفرقه عن عون بات اكثر بكثير مما يجمعه وأن عون اضحى عبئا سياسيا اكثر مما يكون سندا وحاجة.
المسألة تتجاوز الموقف من عون شخصا وموقعا الى قراءة سياسية شاملة تنتهي عند بري الى نتائج وخلاصات منها ان العلاقة مع عون فقدت اهميتها الحيوية والاستراتيجية، وأن الأفرقاء المسيحيين بشكل عام يقفون الآن على هامش المعادلة والصراع.. هذه القراءة يمكن تقديرها وإيجازها على النحو التالي: بري يرى ان الصراع في لبنان في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر لم يعد صراعا سياسيا بين فريق 8 و14 آذار بقدر ما اصبح صراعا مذهبيا بين السنة والشيعة، وهو جزء من الصراع الكبير الدائر في المنطقة والخطورة انه بدأ في لبنان يخرج عن اطره السياسية والسلمية ويمكن ان يخرج عن دائرة الضبط والسيطرة فيما لو استمرت الامور في منحاها الراهن، سواء لجهة اشتداد واحتدام حالة السجال والتشنج والاحتقان والتعبئة وتقدم التطرف على الاعتدال وانسداد الأفق السياسي وفراغ المؤسسات وضمورها.. أو لجهة الأحداث الخطيرة التي تجري على الأرض ويقود تكرارها وتراكمها الى انفجار الوضع، وكان آخرها وفي فترة زمنية وجيزة حوادث صيدا وتفجير الضاحية، وكان من نتائجها رفع منسوب التوتر السني ـ الشيعي الى درجة عالية وغير مسبوقة.
ولذلك، فإن الأولوية المطلقة عند بري هي لاحتواء الصراع السني ـ الشيعي ووقف اندفاعاته وحركته التصاعدية. ولما كان جزء أساسي من هذا الصراع يرتبط بالأزمة السورية وامتداداتها اللبنانية، خصوصا بعد التدخل العسكري لحزب الله فيها، فإن الرئيس بري يحاول اقامة فصل وعزل بين الملفين السوري واللبناني والتحول الى تبريد الساحة اللبنانية عبر وصفات وعلاجات سياسية عاجلة لملء الفراغات السياسية والمؤسساتية التي تشكل مناخا حاضنا لتفجر الوضع الأمني.. والبداية تكون في تسريع تشكيل الحكومة الجديدة حتى لو تطلب الأمر تقديم تسهيلات وتنازلات تفضي الى مشاركة غير مباشرة لحزب الله وإلى مشاركة ضعيفة للعماد عون في الحكومة او حتى الى حكومة من دونه.
كان في ود الرئيس بري وفي خططه الوصول الى حكومة وحدة وطنية، برئاسة الرئيس سعد الحريري، وكان يعمل بالتنسيق مع جنبلاط لتوفير ظروف عودته الى لبنان وإلى الحكم، وباعتبار ان التوتر السني ـ الشيعي بدأ وتطور سلبا بعد خروج المستقبل من الحكم وليس فقط بسبب الأزمة السورية ولكن التطورات والظروف الإقليمية حالت حتى الآن دون هذه العودة واكتمال ظروفها ومقوماتها.
رغم حدة المأزق الداخلي في ظل وضع إقليمي ملبد لا يقطع الرئيس بري الأمل بإنجاز اختراق في الأزمة الراهنة يتمثل اولا في إعادة فتح خطوط الاتصال والحوار مع تيار المستقبل وإبرام تفاهمات معه انطلاقا من التفاهم على الحكومة الجديدة، بري يعتبر أن الحوار مع المستقبل، وهو حوار يمكن ان يديره بالنيابة عن حزب الله وبتكليف منه هو حجر الزاوية في عملية وقف الانحدار واعادة بناء الوضع سياسيا.. ومازالت الفرصة متاحة خصوصا أن بوادر حوار سعودي ـ ايراني تلوح في الأفق بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني الذي يعتزم زيارة السعودية وترجمة ما قاله عن رغبة تحسين العلاقة وفتح صفحة جديدة معها. ومن شأن هذا التقارب الايراني ـ السعودي ان ينعكس ايجابا على الساحة اللبنانية في تعزيز احتمالات الحوار بين حزب الله وتيار المستقبل، او على الأقل تخفيف اجواء التعبئة والاحتقان وتهدئة اللعبة.
هذه الصورة لدى بري لها ما يقابلها ويوازنها عند العماد عون الذي له أولويات مختلفة وبرنامج سياسي بأفق استحقاقات المرحلة المقبلة (الحكومة ـ قيادة الجيش ـ رئاسة الجمهورية) ومن خلفية حسابات ومصالح مسيحية من جهة، وحسابات ومصالح حزبية وشخصية من جهة اخرى، ولطالما كان عون متوجسا من بري ويشكو من دوره المهيمن وتحكمه بمجريات اللعبة السياسية مستفيدا من تفويض حزب الله وانهماكه في قضايا وأدوار تتجاوز الساحة اللبنانية. وحتى ان عون كان يحمل بري مسؤولية التعكير والتخريب على علاقته مع حزب الله ومسؤولية تحوير وفرض التمديد وتعطيل المجلس الدستوري والآن الدفع باتجاه حكومة جديدة على حساب «كتل الإصلاح والتغيير» ممهدا لذلك بإعلان تفكك 8 آذار وقبل ذلك العمل على تفكيك التكتل واجتذاب ثلاث قوى فيه (فرنجية ـ الطاشناق ـ ارسلان).
وإزاء هذا الطلاق السياسي بين عون وبري الذي اعلن وكشف واقعا كان موجودا تحت سقف 8 آذار فإن الأنظار تتجه الى حزب الله: كيف سيتصرف إزاء الخلاف الناشب بين حليفين أساسيين له؟ وهل هو في صدد التدخل وممارسة ضغوط لرأب الصدع؟ وهل تحالف 8 آذار مازال يعينه ويدرجه في استراتيجيته السياسية؟ أم إن ما يهمه فقط هو نواة هذا التحالف، تحالف مع عون، وبات متقبلا لفكرة إعطاء الحرية لعون وبري وإطلاق يديهما؟ والأهم ما هو واقع العلاقة بين عون وحزب الله؟ هل مازالت عند مستواها وأهميتها ام طرأ تعديل وبدأت عملية مراجعة حسابات؟ وهل تصح معادلة الفصل بين ما هو سياسي داخلي وما هو استراتيجي إقليمي؟ وهل يتحول الطرفان من مرحلة الاتفاق إلى مرحلة تنظيم الخلاف؟
قبل أيام وبعد قليل على تفجير بئر العبد في الضاحية الجنوبية، كان نواب تكتل الإصلاح والتغيير أول الواصلين الى مسرح الجريمة مستنكرين ومتضامنين. وبدا هؤلاء من خلال رد فعلهم الفوري حريصين وفي توقيت مناسب على إطلاق إشارة دعم في اتجاه حزب لله والتأكيد على العلاقة التحالفية معه وتبديد ما ساد من انطباعات خاطئة. ترافق هذا الحضور الميداني مع موقف للعماد ميشال عون يندد بالتفجير الإرهابي مستبقا حلفاءه في تحميل مسؤولية سياسية لـ «أصحاب الخطاب التفجيري»، وأرفق عون موقفه باتصال أجراه مع قيادة حزب لله عبر الحاج وفيق صفا.
قبل ساعات، وبعد تفاعل الوسط السياسي مع أفكار الرئيس بري ورؤيته الجديدة بشأن تشكيل الحكومة واحتساب الحصص (بطريقة أوحت الى أن على عون أن يتدبر أمره ويقلع شوكه بيده، وأن مشكلة التأليف هي مع عون وليست مع الشيعة)، وجه حزب الله رسالة سياسية الى عون مفادها أنه لن يكون متروكا ومستفردا في عملية تشكيل الحكومة، وأنه ملتزم بموجبات التحالف التي تفرض «الدخول معا الى الحكومة أو البقاء معا خارجها»، وكان حزب لله عبر رسالته يسارع الى إطفاء توتر جديد تسبب فيه الرئيس بري، والى تبديد قلق ساور عون وتياره الذي لم يتخلص بعد من هاجس وعقدة التحالف الرباعي الذي أقصاه عن حكومة العام 2005. في هاتين الواقعتين، الأمنية والحكومية، ما يعكس الحرص المتبادل لدى عون وحزب الله على الاستمرار في التحالف الاستراتيجي لأن الثوابت التي قام عليها والأسباب التي دعت إليه لا تزال قائمة، والحرص أيضا على حصر الخلاف الناشب حول ملفات وأوضاع سياسية داخلية في نطاقها وحجمها لأنها خلافات موضعية وظرفية تتعلق أولا بخلاف على ترتيب الأولويات.
المسافة بين عون وحزب لله كانت بدأت ترتسم منذ أشهر وتحديدا بعد القرار الكبير الذي اتخذه حزب لله بالتدخل العسكري في سورية، هذا القرار أخذه حزب الله منفردا ومن دون وضع حليفه مسبقا في أجوائه ومداه والأسباب الداعية إليه. لذلك، وجد عون صعوبة في الدفاع عن مشاركة حزب الله في سورية ولكنه لم يذهب الى حد الرفض والاعتراض. لكن التحفظ كان من الممكن قراءته بين سطور الموقف الذي رفض فيه توسيع حزب الله عملياته العسكرية باتجاه الجولان، لكن ما لم يتقبله عون ولم يتحمله هو عدم التنسيق معه في مواضيع وقرارات سياسية داخلية على جانب كبير من الأهمية مثل التمديد للمجلس النيابي والتمديد لقائد الجيش، وحيث بدا أن التناغم والتنسيق مع جنبلاط وعبر بري كان أوضح وأفضل.
العماد عون العاتب على حزب الله ليس في وارد فرط العلاقة معه أو التفريط بها، خصوصا أنه ليس له من حليف آخر على الساحة اللبنانية، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله المتذمر من طريقة تعاطي عون الذي «يشخصن» المواقف والسياسات ويغلب التكتيك على الاستراتيجية ويصر على مطالب يصعب تلبيتها، لكنه يظل متمسكا بالتحالف خصوصا أن ليس له من حليف آخر وأفضل على الساحة المسيحية، خصوصا أكثر أن علاقته مع الرئيس «المسيحي» ميشال سليمان ساءت في الآونة الأخيرة. الأمور بين عون وحزب لله رست عند نقطتين: الإقرار بوجود خلاف، واتفاق على تنظيم الخلاف وإدارته لتلافي اتساع في الصدع الحاصل وحتى لا تتحول الثغرة الى «فجوة» في معرض الاستحقاقات المقبلة التي تشكل ساحة اختبار فعلي لمسار ومستقبل العلاقة وهي:
٭ الحكومة حيث يريد عون تمثيلا يناسب حجمه النيابي وعدم المداورة في الحقائب الأساسية.
٭ قيادة الجيش حيث يريد عون أن تكون له «كلمة» في تقرير مصير أو في تسمية من يشغل هذا المركز المسيحي الأول في الدولة.
٭ رئاسة الجمهورية حيث يريد عون أن يكون له على الأقل حق الفيتو والاعتراض على أي مرشح رئاسي لا يناسبه، وعدم تكرار تجربة العام 2008.