Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
حكاية الدكتور سمير جعجع مع التسويات
18 يناير 2014
المصدر : الأنباء

بيروت - د.ناصر زيدان
لم تعد التسوية التي يعمل على اعتمادها في المنطقة سرا من أسرار اللاعبين فوق خشبة الحلبة، فملامح التقاطعات غير العادية بين مقاربات الافرقاء المتخاصمين طفت على سطح المياه العكرة، وتبينت خيوط تقارب المصالح الدولية والإقليمية، وتوضح الأمر على الساحة اللبنانية التي مازالت المرأة التي تعكس المشاهد المتوترة، ولم يُعطل دور هذه الساحة، بروز ساحات أخرى للتصارع، والمُقارعة، من مصر إلى سورية إلى العراق، مرورا بالتأكيد بالساحة الفلسطينية الجريحة.
تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة من ضمن تداعيات التسوية - وربما تكون بدايتها - هي لحظة سياسية التقطها اللاعبون اللبنانيون واسسوا عليها حوارات، قد تكون لها ابعاد تتجاوز ملف تشكيل الحكومة، وربما تؤسس لتوافقات تحتاجها المرحلة الحرجة التي يمر بها لبنان.
قائد القوات اللبنانية د.سمير جعجع من اللاعبين على حلبة المسرح اللبناني، ولحزبه الحضور المميز في محطات اساسية من التاريخ الحديث لاسيما بعد الانتفاضة التي اعقبت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في فبراير من العام 2005.
ومع بدء المحاكمات في لاهاي لقتلة الحريري وكوكبة من رفاقه، تبدأ مرحلة جديدة في لبنان، في مسارين مختلفين ـ كما سماهما النائب المستقبلي جمال الجراح ـ مسار انطلاق المحكمة، ومسار الحكومة السلامية الجديدة.
وإذا كان مسار انطلاق المحاكمة في لاهاي مرتبطا بتوقيت قانوني طال انتظاره، إلا أن انطلاق المسار الحكومي مرتبط بجوار فرضته معطيات جديدة تحرك عربة تسوية، يركب على مقاعدها اللاعبون الاساسيون، باستثناء قلة، قد يكون في مقدمهم د.سمير جعجع ومعه بعض المعترضين الآخرين.
وقف جعجع ضد التسوية التي اتفق عليها الاميركيون مع السوريين في تسعينيات القرن الماضي، ودخل السجن في 21/4/1994، بأحكام ليس لنا التعليق عليها الآن، واعترض على التسوية التي قضت بتخفيف التشنج بعد 2008، ولم يحضر طاولة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية في بعبدا، خصوصا جلسة 11/6/2012 التي أقر فيها اعلان بعبدا الذي يتغنى به، واليوم يشهر عداءه للتسوية التي تقضي بتشكيل حكومة لبنانية جامعة لكل القوى، تطوي صفحة الفراغ القاتل الذي تعيشه مؤسسات الدولة، وتمهد لحوار وتواصل يعالج موضوع الاستحقاق الرئاسي المنتظر في مايو القادم.
لبنان بلد التسويات، بصرف النظر عن احقية المطالب السياسية، وبعيدا عن موضوعية المنطلقات الوطنية، ومهما كان مستوى الارتباط الخارجي لهذا او ذاك من القوى السياسية والطائفية والفاعلة.
لم تتمكن المارونية السياسية من فرض مقاربتها في السابق رغم الدعم الدولي الغربي لها، وفشلت سورية في طمس الفكرة اللبنانية والاستعلاء عليها طيلة 30 عاما من الوصاية العسكرية، وأخفقت السنية السياسية في ارساء غلبة عن طريق السلطة التنفيذية المدعومة من قوى عربية، كما ان المقاربة الشيعية ـ التي ارتكزت على العدد والسلاح، واستفادت من الوجود الأمني السوري ـ لم تنجح في ترسيخ استقرار يستند إلى رضاء ضمني عند الشرائح الأخرى التي يتشكل منه النسيج اللبناني.
التسويات في لبنان سمة اساسية من سمات العمل السياسي. والارتباطات الخارجية، ومداخلات القوى الكبرى في شؤون البلاد، لم تلغ اعتبارات الحوار، كحاجة ضرورية ودائمة لإنتاج الحلول.
موقف د.سمير جعجع في معارضة التسوية على الحكومة، ينطوي على غرابة سياسية، تبالغ في التمرد على وقائع الخصوصية اللبنانية، من دون ان يكون لخيارات الاعتراض اي افق قد تنقذ الانسداد السياسي من مخاطر الانفجار المتوقع في كل لحظة.
ان الاعتبارات التي أملت التقارب بين تيار المستقبل وحزب الله ليست ترفا سياسيا، بقدر ما هي اعتبارات ذات قوة ملزمة لانقاذ الهيكل، قبل ان يسقط ما تبقى منه على رؤوس الجميع وبالتالي نكون قد اخلينا الساحة برمتها امام التطرف والارهاب والوحشية الغريبة التي يمارسها بعض المتعطشين لشهوة السلطة والتسلط.
مصادر سياسية متابعة لما يجري، ترى ان موقف قائد القوات اللبنانية المتشددة، مناورة في لعبة توزيع الادوار بينه وبين بعض الصقور في صفوف قوى 14 آذار، للوصول إلى مكاسب وتنازلات من الفريق الآخر، خصوصا ان جعجع لن يحصل على مقاعد وازنة في ظل مشاركة العماد عون في الحكومة. وترى هذه المصادر ان جعجع يُدرك ان مسار التسوية المؤقتة قد بدأ، ولن يستطيع احد الوقوف في وجهه. ومعارضة التقارب الحاصل هي بمثابة الموقف التكتيكي، ولكنه يتناول مقاربة استراتيجية، بدأت باعتمادها القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، ومنها التوافق على التخلص من داعش، والبدء بترويض المبالغة غير الواقعية للنظام في سورية، وتهدئة الاضطراب المتفلت في لبنان.
ليس بمقدور احد اقناع الجميع بمثالية التسوية حول الحكومة اللبنانية، ولكن في الوقت ذاته، ليس بمقدور د.جعجع ان يُقنع الجميع باعتماد مقاربة لبنانية خالصة، بمعزل عن التأثيرات الخارجية، ولو كانت موجعة، أو انتجت حكومة تناقضات.