Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
حكومة ومحكمة وجنيف 2
25 يناير 2014
المصدر : الأنباء
بيروت - د.ناصر زيدان
بين صياح ديك الحكومة ومزمار المحكمة الدولية وطبول جنيف2 السوري، يعيش لبنان فترات عصيبة من الانشداد الى ترقب تطورات من العيار الثقيل، وسط اجواء القلق والخوف من التفجيرات الخفية - المعلومة التي تستهدف الابرياء والمدنيين، وفي ظل تحامل غير مسبوق على الجيش اللبناني في طرابلس، وصل الى حد الاعتداء الوقح في وسط النهار، وسقط من جرائه شهداء وجرحى في صفوفه.
الحكمة الجديدة ثمرة «حمل تسعة اشهر» ينتظر اللبنانيون ان تكون مولودا طبيعيا منقذا للمؤسسات الحكومية التي عانت من الاهتراء على مدى الاشهر الماضية، وسواء كانت هذه الحكومة لربط نزاع، أو مصدرا للنزاع، او حلا للنزاع، تبقى ضرورة وطنية لا يمكن القفز فوقها، او البقاء من دونها، لاسيما امام الاستحقاقات الداهمة التي تنتظر اللبنانيين، وفي المقدمة منها استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
اما مزمار المحكمة الدولية الذي يصدح في لاهاي، فقد تفتحت براعم ربيعه بعد انتظار تسع سنوات من القحل والجفاف، واعطى لحن العادلة الراقي ايقاعا جديدا قد يساهم في ضبط لعبة الموت المتفلتة من كل قيد، والتي انهكت الوطن الجريح طيلة اعوام مضت.
ويجري ذلك كله على وقع طبول النوبة التي تصدح في جنيف، في مشهدية مؤلمة لتشييع ابرياء سورية، بلد الحضارة والتاريخ والتواصل، ويشارك في الجنازة القاتل والضحية على قدم المساواة، ويدافع المجرم عن القانون الانساني بأبهى الالفاظ ويتفنن في رسم لوحات التقدم والانتظام، ويلونها بدماء ضحايا شعب يتعذب، ويتألم معه جيرانه، لاسيما لبنان.
العبرة التي تحملها ملازمة هذه الاحداث الكبيرة، تدعو الى التأمل، فلكل شيء نهاية مهما طال الانتظار، الا ان العبرة الاهم تبقى في كيف ستكون هذه النهاية؟
مهما تداخلت المؤثرات، وقويت الضغوطات، لا يصح في النهاية الا الصحيح، وفقا لتعبير قائد القوات اللبنانية سمير جعجع الذي رفض المشاركة في الحكومة الجديدة، بصرف النظر عن عدم معرفة بعض جوانب ما يقصده جعجع.
المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي انطلقت في لاهاي مؤشر ايجابي، مهما كانت النتائج، وقد عززت ايجابية عملها حكمة الرئيس سعد الحريري «ولي الدم»، عندما اعلن ان الاشخاص المتهمين بتنفيذ جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري ورفاقه تلقوا الاوامر من النظام السوري في اشارة تخفف الى حد كبير حالة الاحتقان الناتجة عن مشاهدات المحاكمة، برغم التوتر الذي احدثته تصريحات اللواء جميل السيد، التي اعتبرها البعض استفزازية، بعيد انطلاق عمل المحكمة، وخارج اسوارها، تحت الامطار الهولندية الهادئة، ولعل اهم ما تعنيه انطلاقة المحكمة، هو اثبات ان للفجور السياسي نهاية، لا بد انها آتية، وبالتالي فإن اساليب ابتداع الاكاذيب وتصديقها ليست مقاربة موضوعية، يمكن ان تستمر الى امد طويل.
وولادة الحكومة اللبنانية الجديدة تأخرت على وقع انعكاسات التداعيات السورية، سواء كان من حماوة الاختلاف على تدخلات الاطراف اللبناني في هذه الاحداث، ام بسبب ضغوط يمارسها ما تبقى من دوائر مهتمة بشؤون لبنان في اوساط النظام في سورية.
ليس في لبنان قضايا او ملفات يمكن ان تعوق الانتظام اللبناني الداخلي، في الدولة ومؤسساتها، رغم بعض الخلافات على ترسيم الاحجام، او على قسمة المغانم، او على ادوار الطوائف والاحزاب ومكانة كل منها، ولكن الذي يقفل منافذ الحوار، ويعطل الحراك الوطني، ويشل البلاد، هو ترابط ما يجري في لبنان مع المحيط، والتزام بعض الاطراف اللبنانية بتوجيهات خارجية، غالبا ما كان مصدرها من سورية، او من محيطها القريب.
ترى اوساط متابعة لما يجري خطورة كبيرة في فترة المخاض العسير الذي تشهده الولادة المنتظرة للتسوية في سورية، وهي حكما ستتمدد الى المساحة اللبنانية، نظرا للتداخل الواسع بين الساحتين، من حيث توزع القوى والتحالفات، ومن حيث الامتدادات الجغرافية، والديمغرافية، ومن حيث نمطية الحكم، لان نهاية الشمولية ستؤدي حكما لنهاية المقاربة التكفيرية التي ولدت من رحم الاولى، وعلى وقع استبدادها.
ترابط الاحداث المتسارعة التي تؤثر على الساحة اللبنانية، فرصة استثنائية، قد تنتج حلولا، وقد تسبب في الانفجار الاكبر، فالامر منوط بحكمة تعاطي القيادات اللبنانية مع ما يجري، وفي انتاج المشتركات بين المكونات السياسية اللبنانية، والابتعاد عن استحضار نقاط الاختلاف، وتأجيل امر بحث الامور المستعصية الى اوقاتها المناسبة، بعد تأمين خروج البلاد من النفق المظلم التي تمر فيه اليوم.
انطلاق اعمال المحكمة الدولية واعمال مؤتمر جنيف 2، وتشكيل الحكومة الجديدة، فرصة لبنانية يمكن التأسيس عليها لبناء علاقات جديدة بين الاطراف اللبنانية، تستند الى الواقعية في مقاربة الامور، ولا تعتمد الى غرور يولده امتلاك السلاح، ولا الى تحليلات غير واقعية لمنظرين في زمن يحتاج الى العمل الواقعي لتلافي الفتنة، اكثر مما يحتاج الى مطولات التنظير.. ودائما وفقا للاوساط السياسية المتابعة لما يجري.