Note: English translation is not 100% accurate
مجلس الوزراء اللبناني الجديد .. بين انفجار التناقضات وتبلور التفاهمات
حكومة «التسوية».. من الرابح ومن الخاسر؟ وكيف توزّعت الأحجام الطائفية؟
18 فبراير 2014
المصدر : الأنباء

تيار المستقبل تمثل بـ «صقوره» وفي وزارات أساسية فيما تمثيل حزب الله جاء أقل من عاديا
لقوات «معزولة» في عالمها الخاص وتحولت إلى «الكتلة المعارضة» الوحيدة في مجلس النواب
..وأخيرا أصبح للبنان حكومة جديدة، بعد مخاض عسير دام 11 شهرا و«ولادة قيصرية». هذه الحكومة تفتتح مرحلة سياسية جديدة وتعيد خلط الأوراق.هي مصممة على أساس أنها حكومة قصيرة الأمد وحكومة الثلاثة أشهر مبدئيا، ولكن «الأعمار بيد الله»، فيمكن أن تكون حكومة ملء الفراغ الرئاسي، ويمكن ألا تصمد حتى الاستحقاق الرئاسي إذا ما انفجرت تناقضاتها على طاولة مجلس الوزراء وأخفقت في تنظيم تعايشها تحت سقف حكومي واحد.
فثمة سباق في هذه الحكومة «المفخخة» بين انفجار التناقضات أو تبلور التفاهمات:
1- التوزيع السياسي:
حكومة الـ 24 وزيرا رست نظريا على صيغة 9 ـ 8 ـ 7، فيما رست عمليا على صيغة 9 ـ 9 ـ 6 (باعتبار ان الوزير الشيعي الخامس هو من حصة الرئيس سليمان مع ضمانات لحزب الله)، وجاء توزيعها السياسي على الشكل التالي:
٭ فريق 14آذار تسلم (9) حقائب: الداخلية، العدل، الشؤون الاجتماعية، التنمية الإدارية (المستقبل)، الاقتصاد، الإعلام، العمل (الكتائب)، الاتصالات السياحة (المسيحيون المستقلون).
٭ فريق 8 آذار تسلم (8) حقائب: الخارجية، التربية، الطاقة، الثقافة (تكتل الإصلاح والتغيير)، المالية، الأشغال (أمل)، الصناعة، وشؤون مجلس النواب (حزب الله).
٭ الفريق الوسطي تسلم (7) حقائب: رئاسة الحكومة مع وزارة البيئة (سلام)، الدفاع، شباب ورياضة، مهجرون (سليمان)، الصحة، الزراعة (جنبلاط).
2 - التوزيع الطائفي جاء على الشكل التالي:
٭ السنة: داخلية، عدل، شؤون اجتماعية، بيئة (إضافة الى رئاسة الحكومة).
٭ الشيعة: مال، أشغال، صناعة، شباب ورياضة، شؤون مجلس النواب.
٭ الموارنة: خارجية، اتصالات، عمل، ثقافة، مهجرون.
٭ الأرثوذكس: دفاع، تربية، إعلام.
٭ الدروز: صحة، زراعة.
٭ الكاثوليك: اقتصاد، سياحة.
٭ الأرمن: طاقة.
٭ الأقليات: تنمية إدارية.
(الملاحظة الأساسية هنا أن هناك تكافؤا بين الطوائف الثلاث الكبرى).
3- المفارقات والملاحظات:
٭ تيار المستقبل تمثل بـ «صقوره» وفي وزارات أساسية (نهاد المشنوق للداخلية وأشرف ريفي للعدل)، فيما تمثيل حزب الله جاء أقل من عادي على مستوى الوزارات، وتمثيل أمل جاء «عاديا» على مستوى الوزراء.
٭ تمثيل حزب الكتائب الحكومي جاء مضخما وفاق حجمه النيابي الواقعي: كتلة الكتائب خمسة نواب تمثلت بثلاثة وزراء.. وكتلة التيار الوطني الحر 19 نائبا تمثلت بوزيرين. هذا الخلل سببه سياسي لأن الكتائب أخذت هذا الحجم الوزاري بإعطائها حصة القوات ولتعويض غيابها كونها تمثل الثقل المسيحي الأساسي في 14 آذار.
٭ التمثيل المناطقي فيه خلل أيضا: منطقة البترون على سبيل المثال يمثلها نائبان في البرلمان وجاء منها وزيران. منطقة عكار يمثلها تسعة نواب ولم يأت منها وزير. زحلة تمثل ثقلا كاثوليكيا ولم تمثل حكوميا.
٭ هذه الحكومة لم يكن فيها الوزير المناسب في المكان المناسب: نقيب المحامين سابقا لوزارة الشؤون الاجتماعية، وضابط كبير متقاعد لوزارة العدل، وإعلامي متمرس لـ «العمل»، ومهندس لوزارة الخارجية، ومهندس ومقاول لوزارة الدفاع، ووزير سياسي لـ «المالية».
٭ السمة الغالبة لحقائب 8 آذار هي «خدماتية»، والسمة الغالبة لحقائب 14 آذار هي «سياسية».
٭ المفارقة الأساسية تكمن في أن علامات عدم الرضا ظهرت داخل معسكري 8 و14 آذار، وكأن المعركة الحكومية انتهت الى تعادل سلبي (0-0). فجمهور 14 آذار لديه تململ ولا يفهم، خصوصا في الجانب السني، لماذا هذه التنازلات وأولها القبول بحكومة مع حزب الله المستمر في قتاله في سورية، كما لا يفهم، خصوصا في الجانب المسيحي، لماذا هذا الغزل والتودد باتجاه العماد عون؟ وجمهور ٨ آذار لديه تململ أيضا وربما للمرة الأولى بهذا الحجم والوضوح ولا يفهم لماذا هذه التنازلات المتدرجة من تخل عن الثلث المعطل ولو نظريا الى التخلي عن الوزارات «الأمنية» أو التي لها صلة بالأمن، الى القبول بأسماء استفزازية وعدم مبادلتها بالمثل كأن يكون على سبيل المثال اللواء جميل السيد مقابل اللواء أشرف ريفي والقاضي طنوس مشلب مقابل القاضية أليس شبطيني (الاسمان طرحا من عون وسليمان لرئاسة مجلس القضاء الأعلى، الى أن كان المخرج بعد تبادل الفيتوات بعد شغور المركز لأشهر بتسمية القاضي جان فهد).
4- حسابات الربح والخسارة:
٭ الرابح الأول هو تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري بعودته الى السلطة بعد «فراق قسري» دام ثلاث سنوات، وبحصوله على وزارات «سلطوية» تتيح له وضع اليد على «الأمن والقضاء» ولها صلة أيضا بمسألة «المحكمة الدولية».
٭ الرئيس نبيه بري الذي يتعرض لحملة انتقادات في صفوف 8 آذار للطريقة التي فاوض بها وأدار عملية تشكيل الحكومة، يعد رابحا «باستعادته» وزارة المال التي هي وزارة سياسية قبل أن تكون سيادية وتتيح لرئيس مجلس النواب أولا وللطائفة الشيعية ثانيا تعزيز مشاركتها في الحكم عبر التوقيع الالزامي لوزير المال على كل المراسيم.وأضاف بري الى الوزارة السياسية السيادية وزارة خدماتية أساسية في إطار «تبادل الخدمات» والوزارات بينه وبين جنبلاط (الأشغال مقابل الصحة).
٭ العماد ميشال عون ربح في احتفاظه بوزارة الطاقة رغم الحملة المركزة لانتزاعها من يده بإبقائها ضمن حصة تكتله النيابي ولو اضطر الى تحويلها الى حليفه حزب الطاشناق، وبحصوله أيضا على الوزارة السيادية المارونية (الخارجية) والتي يحتاجها أكثر من أي وزارة في هذه الفترة الفاصلة عن الاستحقاق الرئاسي، إذ تساعده على إقامة شبكة من علاقات خارجية عبرية ودولية وعبر طرق رسمية شرعية.
٭ الرئيس أمين الجميل ربح في حصة وزارية وازنة لم يكن يتوقعها ويحلم بها، ولم يسبق أن حصل عليها حتى في ذروة قوة الكتائب النيابية وعصرها السياسي الذهبي.
٭ حزب الله خسر بالمعنى الحسابي الضيق عبر حصة وزارية متواضعة وتكاد تكون رمزية لا تتناسب مع حجمه وقوته.. ولكن الحزب لا ينظر الى الأمور من هذه الزاوية وإنما من منظار أوسع وأشمل يتعلق بالوظيفة السياسيةـ
الأمنية للحكومة في هذه المرحلة وما وفرت عليه من أعباء ومشاكل وما تعطيه من مكاسب سياسية أولها «تغطية» قتاله في سورية أو على الأقل فك الارتباط بين الحرب السورية والوضع اللبناني، بحيث لم تعد مشاركته العسكرية في سورية مسألة خلافية في لبنان وتم تجاوزها.
٭ الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط حافظا على وضع مستقر، فلم يحسنا مواقعهما الوزارية ولكنهما لم يشهدا تراجعا وانحسارا، وإذا كان الرئيس سليمان لم يستطع أن ينال الوزارة المارونية السيادية، فإنه نجح في وزارة الدفاع التي يحتاجها أكثر في مرحلة المساعدة السعودية الفرنسية، إضافة إلى أنه وفي إجراء «انتقامي» بمفعول رجعي استقدم المرأة الوحيدة إلى الحكومة.
٭ الرئيس تمام سلام ربح في دخول نادي رؤساء الحكومات، ولكن لم يكن دخولا قويا ويصنف في خانة الخاسرين وزاريا، إذ ليس بين الوزارات التي تخصه إلا وزارة البيئة.
٭ النائب سليمان فرنجية خسر بهبوطه من وزارتين إحداهما سيادية (الدفاع) إلى وزارة واحدة هي الثقافة، ولكن مجرد مشاركته في الحكومة هو مكسب لأنه كان الوحيد الذي لم يسم تمام سلام في استشارات التكليف كاسرا الإجماع الوطني.
٭ الدكتور سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية يصنف في نظر كثيرين في فئة الخاسرين، والخسارة سياسية قبل أن تكون حكومية مع هذه الحكومة التي شارك فيها الجميع بمن فيهم كل حلفائه في 14 آذار، بحيث بدت «القوات» «معزولة» في عالمها الخاص، وأنها تحولت «الكتلة النيابية المعارضة» الوحيدة في مجلس النواب، ولكن ما يخفف من وطأة هذا الواقع السياسي الحكومي أمران:
الأول: أن القوات هي التي أخرجت نفسها ولم يخرجها أحد، انسجاما مع مبادئها وقناعتها السياسية وموقفها الثابت في رفض مهادنة حزب الله والجلوس معه إلى طاولة مجلس الوزراء أو طاولة الحوار، هذا الموقف الذي لم تر القوات تغييرا في الظروف والمعادلات يوجب تغييره مادام حزب الله لم ينسحب من سورية ويرفض إعلان بعبدا أو حتى مجرد إعلان نوايا.
الثاني: أن القوات اللبنانية تلقى في موقفها «تعاطفا» وتفهما وتأييدا في أوساط 14 آذار، وبحيث إن شخصيات كثيرة داخل الأمانة العامة غير راضية عما آلت إليه الأمور وتلوذ الآن بالقوات، وكذلك في شارع وجمهور 14 آذار بما في ذلك شارع وجمهور المستقبل، وبالتالي فإن الخسارة السياسية تكون قد عوضت بمكسب شعبي.
5- المعاني والأبعاد السياسية لـ «حكومة سلام»
مؤشرات مرحلة جديدة من حيث المبدأ هذه حكومة لا يعتد بها لأنها حكومة انتقالية قصيرة المدى محددة بسقف زمني هو «3 أشهر» وبمهمة ووظيفة سياسية محددة هي توفير ظروف إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري. ولكن هذه الحكومة تكتسب أهمية سياسية بالغة، ليس لأنها مرشحة لعمر افتراضي يتجاوز عمرها الرسمي ولملء فراغ رئاسي مازال محتملا وإن تراجعت احتمالاته مع حصول اتفاق حكومي يمكن أن يسهل الاتفاق الرئاسي، وإنما لأن هذه الحكومة تشكل مؤشرا واضحا إلى مرحلة سياسية جديدة في لبنان وتعني في السياسة ثلاثة أمور أساسية يمكن الخروج بها كاستنتاجات ومؤشرات أولية:
1- حكومة الرئيس تمام سلام رغم أنها محددة في الزمان والمهام، تعلن بداية مرحلة جديدة وطي صفحة مرحلة سابقة امتدت لثلاث سنوات مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.فإذا كانت حكومة ميقاتي أعلنت خروج تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري من الحكم ومن لبنان، فإن حكومة سلام تعلن عودة تيار المستقبل إلى الحكم كخطوة تمهيدية لعودة الحريري إلى لبنان والى رئاسة الحكومة هذا العام، بعد الانتخابات الرئاسية إذا جرت أو قبل الانتخابات النيابية إذا لم تؤجل مرة ثانية.
2- حكومة تمام سلام تعيد خلط الأوراق السياسية، أوراق العلاقات والخطوط وربما التحالفات السياسية في مرحلة لاحقة.هذه الحكومة تطلق أولى المؤشرات العملية إلى حدوث تغييرات وتقلبات تكسر حدة الخارطة السياسية القائمة منذ سنوات على فرز وانقسام بين 8 و14 آذار، ومن هذه التغييرات فتح صفحة جديدة من العلاقة بين الحريري وعون التي كانت الحكومة أولى ثمارها. واستئناف الحوار ولو بطريقة غير مباشرة وعبر الحكومة بين المستقبل وحزب الله، وهو حوار مقطوع تماما منذ بداية العام 2011 باستثناء ما كان يمرر عبر قناة بري جنبلاط. ومن المبكر والسابق لأوانه الذهاب في التحليل إلى أكثر من ذلك، كالقول مثلا إن تفاهم عون الحريري يمكن أن يشمل الاستحقاق الرئاسي، وأن حوار حزب الله المستقبل يمكن أن يستظل تفاهما وشيكا إيرانيا ـ سعوديا أو أن المعادلة السياسية في لبنان ستكون مرتكزة في «العصر الإيراني» على ثلاثية «نصرالله الحريري عون» بدلا من ثلاثية «بري الحريري جنبلاط» في «العصر السوري».
3- أهم ما في التركيبة الحكومية الجديدة أنها أناطت الملف الأمني وكل ما يتصل به ويتفرع عنه (الأمن الداخلي القضاء والضابطة العدلية الاتصالات الإعلام...) بالمستقبل وقوى 14 آذار (حتى وزارة الدفاع تخلت عنها قوى 8 آذار لمصلحة الرئيس سليمان).وهذا يرتب مسؤولية وعبئا على تيار المستقبل ويضع موضوع الأمن على عاتقه في مرحلة حساسة عنوانها الرئيسي مكافحة الإرهاب، وهذا يعني سياسيا أن المستقبل الذي أخذ موقفا سياسيا واضحا ضد الإرهاب والتطرف أصبح عمليا شريكا أساسيا في محاربة الإرهاب، وأضاف الى تموضعه السياسي تموضعا أمنيا يتماشى مع التوجهات الجديدة المشددة للمملكة السعودية، ولكن يضعه أيضا في هذه المرحلة عن قصد أو غير قصد في الخندق السياسي ذاته الذي يقف فيه حزب الله الذي أخذ عبر هذه الحكومة غطاء غير مباشر لقتاله في سورية وغطاء مباشر للحرب ضد الإرهاب، وهي الحرب التي يتولاها بشكل رسمي و«شرعي» سياسيا وقانونيا الجيش اللبناني الذي يحتاج إلى غطاء الحكومة والسلطة السياسية التي تحتاج بدورها إلى «غطاء سني».