Note: English translation is not 100% accurate
لبنان: مرحلة ما بعد الفراغ الرئاسي.. 4 أسئلة ملحة وإجابات أولية
28 مايو 2014
المصدر : الأنباء
ماذا عن مجلس النواب؟ هل يستمر في العمل أم يتوقف؟ وهل يجوز التشريع النيابي في ظل الفراغ الرئاسي أم لا؟
ما مصير الحكومة؟ هل تتحول إلى حكومة تصريف أعمال في حال طال أمد الفراغ واستفحل الخلاف السياسي وتلبد المناخ الإقليمي لسبب ما؟ أم أنها تستمر حكومة كاملة السلطة والصلاحيات؟بيروت: ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها «فراغ رئاسي».فهذا الأمر يحدث الآن للمرة الثالثة: في نهايات الحرب وقبل اتفاق الطائف، شغر مركز رئاسة الجمهورية عندما غادر الرئيس أمين الجميل تاركا وراءه نصف حكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون قائد الجيش آنذاك، ولم يجد رئيسا يسلمه بعدما فشلت عملية انتخاب رئيس الجمهورية في ظل معادلة «مخايل الضاهر أو الفوضى».وفي مرحلة الطائف وبعد الخروج السوري من لبنان شغر مركز الرئاسة للمرة الثانية عندما غادر الرئيس إميل لحود قصر بعبدا تاركا البلاد بين يدي حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وأزمة سياسية خانقة لأن الحكومة كانت حكومة الفريق الواحد واللون السياسي الواحد (14 آذار) واعتبرها الرئيس نبيه بري حكومة بتراء فاقدة للميثاقية (بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها) وأقفل باب المجلس النيابي في وجهها.
في المرتين لم يمر «الفراغ الرئاسي» على خير وإنما أعقبته أزمات وتطورات دراماتيكية:
٭ فراغ العام 1988 ملأته حروب التحرير والإلغاء، وبعد ذلك الدخول العسكري السوري الى قصر بعبدا ووزارة الدفاع، الذي حصل تحت غطاء اتفاق الطائف.
٭ وفراغ العام 2007 أعقبه انقسام وطني وسياسي عميق وعمودي بين 8 و14 آذار، انعكس أحداثا وتوترات أمنية على الأرض بلغت نقطة الذروة ومرحلة الخطر في «أحداث 7 أيار» (سيطرة حزب الله على بيروت وتمدده في اتجاه الجبل ساحلا الشويفات ووسطا كيفون عاليه). وهذا الانهيار لم يتوقف إلا على أساس اتفاق الدوحة الذي كان بمثابة تسوية ظرفية لإعادة تقاسم السلطة شملت رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الانتخابات.
وهذه التسوية حملت الى قصر بعبدا الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان.
في ضوء تجربتي الفراغ (1988-1989 و2007-2008) وما آلتا إليه على المستويين الأمني والسياسي وما خلصتا إليه من اتفاقات (الطائف والدوحة)، يطرح في تجربة الفراغ الثالث حاليا سؤالين بديهيين: 1- هل الوضع قادم على أزمات وانهيارات؟ وهل يملأ الفراغ هذه المرة أيضا بأحداث وتوترات أمنية وسياسية؟
2- هل ينتهي الفراغ هذه المرة الى «اتفاق سياسي» ينتخب رئيس جديد على أساسه؟وما حجم «الاتفاق التسوية»؟ هل نحن في صدد «طائف ـ 2» ومؤتمر تأسيسي يتأرجح بين الترويج والنفي (كما فعل الرئيس بري في آخر اجتماع لهيئة الحوار)؟ أم في صدد «دوحة ـ 2» وتسوية تشمل في سلة واحدة رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الانتخابات؟ أم تندفع الأزمة الى تسوية أكبر من «دوحة» وأصغر من «طائف»؟
عن هذين السؤالين تتفرع أربعة أسئلة فورية وملحة، لا تتوافر لها إجابات كاملة ونهائية وإنما إجابات أولية، مع الإشارة أولا الى وجود فارق ملحوظ ومهم في الوضع الحالي مقارنة بالأوضاع السابقة وعلى الأقل لناحيتين: وجود حكومة قادرة على ملء الفراغ وإدارته بعدما فصلت على قياسه ومن خلفية التحسب لإمكان نشوء فراغ غير قصير.ووجود خطة أمنية تتمدد على طريقة «بقعة الزيت» ومسندة الى غطاء وقرار سياسي يحميها.
ولكن رغم هذا الفارق الذي يحد من درجة القلق والهواجس للمرحلة الآتية، إلا أنه لا يلغي حالة الترقب والقلق وواقع أن البلاد مازالت في وضع هش وسط زنار من نار إقليمية».
السؤال الأول: ماذا عن مجلس النواب؟ هل يستمر في العمل أم يتوقف؟ وهل يجوز التشريع النيابي في ظل الفراغ الرئاسي أم لا؟
هناك ثلاثة آراء بالنسبة الى التشريع في ظل الشغور الرئاسي: الأول يقول إن الحياة العامة لا تتوقف وان المشرع الدستوري لم يخطط للفراغ، وان المجلس لا يمكنه أن يبقى من دون تشريع ويفترض أن يستمر.وهناك رأي آخر يقول ان المجلس لا يمكنه أن يشرع في ظل الشغور الرئاسي.فرئيس الجمهورية هو الذي يوقع القوانين وينشرها.وهناك رأي ثالث يقول بالتشريع في الحالات الضرورية والاستثنائية.
المسيحيون المختلفون على الرئاسة متفقون على كيفية التعاطي مع الفراغ الرئاسي. هم يميلون الى وقف التشريع في زمن الفراغ لسببين: الأول دستوري مسند الى المادتين 74 و75 من الدستور المتلازمتين اللتين تشيران الى أن المجلس النيابي لا يحق له القيام بأي عمل تشريعي إذا حل الفراغ في سدة الرئاسة، ويتحول عندها الى هيئة انتخابية مهمتها الحصرية هي انتخاب رئيس للجمهورية. والسبب الثاني «ميثاقي» وسياسي، إذ لا يجوز في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية أن يستمر مجلس النواب في عمله كالمعتاد كما لو أن شيئا لم يتغير.ولابد من إحداث صدمة وإشعار الجميع بأن هناك وضعا شاذا واستثنائيا لا يمكن ولا يجوز أن يستمر ويتكرس ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.إذا قرر النواب المسيحيون مقاطعة جلسات التشريع، فإن الرئيس نبيه بري لا يدعو الى جلسات «غير ميثاقية».ومثلما فعل في فترة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد استقالتها عندما قاطع تيار المستقبل والنواب السنة جلسات التشريع في ظل حكومة تصريف أعمال، يفعل الشيء نفسه إذا قرر النواب المسيحيون مقاطعة جلسات التشريع في ظل الفراغ الرئاسي.
ولكن ثمة اتجاهان لدى القوى المسيحية الأساسية:
٭ اتجاه متشدد يقول بوقف كامل العمل التشريعي لمجلس النواب والضغط للإسراع بانتخاب الرئيس، وأي تساهل بقبول عقد جلسات تشريعية لأي سبب كان وبأي حجة كانت يشكل خرقا للدستور، وبالتالي فإنه من الخطأ الجسيم القول بمقاطعة جلسات المجلس التشريعية ومن ثم القول بالمشاركة الاستثنائية في حالات محددة. ومثل هذا الموقف يخلق البلبلة ويضعف الحليولة دون قيام المجلس النيابي بأعمال تشريعية تجعل من رئاسة الجمهورية لزوم ما لا يلزم من ممارسة سلطة الدولة ويجعل من الموقف المقاطع للجلسات التشريعية موقفا سياسيا ليس إلا ولا هدف له سوى الاعتـراض غير المجدي على الفراغ في الرئاسة.
٭ اتجاه ثان مرن ويقول بالتشريع في الحالات الضرورية والاستثنائية التي لها علاقة بكيانية الدولة ومصلحتها العليا أو بإعادة تكوين السلطة الدستورية. ولذلك فإن الكتل المسيحية تتجه الى حضور الجلسات المتعلقة بمناقشة وإقرار قانون جديد للانتخاب، كما أنها منفتحة على موضوع سلسلة الرتب والرواتب، ولكن ليس على قاعدة المشاركة في جلسات عدة وإنما على قاعدة أن يحصل اتفاق على هذا الملف بين اللجنة النيابية الفرعية ووزارة المال، وعلى أساس هذا الاتفاق يجتمع المجلس النيابي لإقراره في جلسة واحدة وأخيرة.
السؤال الثاني: ما مصير الحكومة؟ هل تتحول الى حكومة تصريف أعمال في حال طال أمد الفراغ واستفحل الخلاف السياسي وتلبد المناخ الإقليمي لسبب ما؟ أم أنها تستمر حكومة كاملة السلطة والصلاحيات؟
تتجه الأنظار الى موقف العماد ميشال عون وردة فعله وما إذا كان في وارد أن يلعب الورقة الحكومية وتوظيفها في معركة الضغوط الهادفة الى تقصير فترة الفراغ والدفع باتجاه التوافق عليه رئيسا.ولكن وفق مؤشرات ومعطيات عدة يمكن القول إن عون ليس في صدد اتخاذ خطوة الانسحاب أو سحب وزرائه من الحكومة للأسباب التالية:
1- وجود أكثرية من تكتل الإصلاح والتغيير ضاغطة في اتجاه البقاء في الحكومة، إضافة الى موقف النائب سليمان فرنجية الذي قرر الاستمرار في الحكومة حتى لو قرر عون الانسحاب منها.
2- أي انسحاب منفرد لوزراء عون في الحكومة من دون أن يلقى التضامن من وزراء 8 آذار وخصوصا حزب الله سيأتي بنتائج عكسية ويؤدي الى عزل عون لنفسه من دون أن يكون لانسحابه أثر على استمرار الحكومة وبأكثرية مريحة.وحزب الله حريص في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر على الحكومة التي أراحته وأتاحت له التفرغ أكثر لمعركته في سورية وليس في خططه الآن خربطة الوضع والوصول الى فراغ حكومي من أجل ملء الفراغ الرئاسي، خصوصا أنه يعلم تماما أن الرئيس بري مستمر في الحكومة مع جنبلاط وليسا على استعداد للتضامن مع عون في قرار الانسحاب من الحكومة إذا اتخذه.
3- مشروع التضييق على الحكومة لإسقاطها وإطاحتها موجه بالدرجة الأولى الى المستقبل والرئيس سعد الحريري الذي يعتبر الحكومة «حكومته» وإحدى أهم الثمار والمكاسب التي حققها هذا العام، والعماد عون يدرك أن القطع مع الحكومة يعني قطع خط الاتصالات والعلاقة مع الحريري، ولكنه يحتاج الى هذا الخط ومازال يأمل فيه خيرا.
وفي الخلاصة، فإن الحكومة مستمرة وهي التي فصلت قبل أشهر على قياس الفراغ الآتي والممتد لأشهر وعمرها لم تحدده انتخابات الرئاسة وإنما تحدده الانتخابات النيابية المقبلة وما إذا ستحصل أم سيحصل تمديد ثان للمجلس النيابي بدأت بوادره بالظهور. وإذا كان آخر قرار وقعه الرئيس سليمان قبل مغادرته هو قرار فتح دورة استثنائية للتشريع، فإن هذا لم يكن بهدف الحث على وضع قانون جديد للانتخاب وإنما من خلفية التحسب للتمديد وتلافي الفراغ النيابي مع استمرار الخلاف على قانون الانتخاب.
السؤال الثالث: هل يعود الوضع الأمني الى دائرة التوتر والخطر، وهل يطيح الفراغ بالخطة الأمنية؟
أبدى العديد من شخصيات 14 آذار في الآونة الأخيرة ومنذ أن تأكد الدخول في الفراغ الرئاسي، خشية من وقوع اغتيالات سياسية بهدف التأثير على مجريات الاستحقاق الرئاسي في جولته الثانية وتعديل ظروفه وفرض التسوية في إشارة الى حالات مماثلة آخرها كان اغتيال د.محمد شطح توطئة لتمرير حكومة سلام من دون شروط مسبقة من جانب المستقبل أو مثل اغتيال نواب من 14 آذار في فترة ما بين 2006 و2007 لتغيير المعادلة النيابية.
وهذه المخاوف الأمنية لا ترتبط فقط بالمعركة الرئاسية المفتوحة وإنما أيضا بتطورات الوضع في سورية المتجهة الى الأسوأ والى مزيد من المعارك والمواجهات بعد انهيار الحل السياسي واستئناف المساعدات العسكرية للمعارضة وزيادة حجم ونوعية الدعم الروسي والإيراني للنظام.
ولكن هذه المخاوف الأقرب الى الهواجس ليست في محلها، وحيث يمكن القول إن مرحلة الفراغ الرئاسي الحالي وبخلاف التجربة السابقة بين عامي 2007-2008 ليست مرشحة لتطورات وأحداث أمنية، وإن المسار الأمني الجيد والإيجابي الذي بدأ قبل أشهر وترجم عمليا على الأرض من خلال خطة أمنية للتنفيذ ومن خلال إطفاء بؤر وأوضاع متفجرة وخطيرة في طرابلس وعرسال، هذا المسار سيتواصل في المرحلة المقبلة، والوضع الأمني بات ممسوكا وتحت السيطرة في ظل ثلاثة عوامل أساسية وفي ضوء استمرارها:
1- وجود حكومة تجتمع وتقرر، أي حكومة مكتملة قادرة على إدارة الفراغ وتكون «سلطة قرار» من دونها يصعب التحكم بالوضع الأمني وضبطه.
2- وجود شراكة بين المستقبل وحزب الله تجسدت من خلال الحكومة وترجمت بشكل واضح وناجح في المجال الأمني والتعاون المثمر بين الأجهزة الأمنية كافة.
3- فك الارتباط الذي تحقق ميدانيا وعمليا بين الأزمة السورية والوضع اللبناني بعدما تمت السيطرة من جانب الجيش السوري وحزب الله على جانبي الحدود اللبنانية السورية ما عدا نقاط وجيوب محددة.وهذا التطور على الأرض، الذي أتاح عزل الداخل اللباني وتوقف عملية تسرب الأزمة السورية عبر الحدود، كان عاملا أساسيا في نجاح الخطة الأمنية وتطبيقها وفي «مكافحة الإرهاب».
السؤال الرابع: ماذا ستكون عليه طبيعة العلاقة بين الرئيس سعد الحريري والعماد ميشال عون، وهل ستنتقل الى مرحلة جديدة من المفاوضات على أمل أن تثمر في خلال فترة الفراغ الرئاسي اتفاقا يحمل عون الى قصر بعبدا؟ أم ستتوقف وتنقطع وينصرف الطرفان الى مراجعة حساباتهما وسياستهما وما احتوته من ثغرات وأخطاء في التقدير ورفع سقف التوقعات؟
المؤشرات تدل على أن عون والحريري راغبان في استمرار الاتصالات وفي عدم العودة بالعلاقة الى الوراء، ويجدان في استمرارها مصلحة وحاجة مشتركة: عون يعرف أن فشل حواره مع الحريري يعني سقوط مشروعة الرئاسي، والحريري يعرف أن فشل الحوار مع عون يعني خطر سقوط مكاسبه الحكومية.
ولكن تغييرا طفيفا سيطرأ على هذه العلاقة من جهة عون الذي، الى جانب الاستمرار في سياسة التغزل والتودد، سيمارس ضغوطا على الحريري من خلفية أنه لا يستطيع الاستمرار في «اللاقرار» لفترة طويلة وعليه حزم أمره، وأن الكرة في ملعبه بعدما فعل هو كل ما عليه على مستوى تشكيل الحكومة وما أعقبها.
وفي وقت يقر عون بأن الحوار مع الحريري مفيد ومنتج، فإنه لم يعد واثقا ما إذا كان كافيا لحسم مسألة التوافق عليه رئيسا. ولكن عون يأخذ وقته ويعتبر أن المرحلة الأصعب الضاغطة عليه اجتازها، مرحلة الوصول الى الفراغ، وأن المرحلة الحالية ضاغطة على الحريري أكثر، في وقت يعتبر مقربون من عون أن المعادلة لم تتغير قبل الفراغ وبعده: قبل 25 مايو كانت المعادلة عون أو الفراغ (انتخاب عون أو الوصول الى الفراغ)، وبعد 25 مايو أصبحت المعادلة الفراغ أو عون (استمرار الفراغ أو انتخاب عون).