Note: English translation is not 100% accurate
لبنان: العبث السياسي والاستقرار الأمني
1 يونيو 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
سبقت مرحلة الشغور في موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية ـ مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25 الجاري ـ أوضاع استثنائية غريبة، تميزت باستقرار أمني لم تتعود عليه البلاد منذ فترة طويلة، وباضطراب سياسي صاخب، تجمعت فيه المفاهيم المتنوعة والمتعددة، وكادت ديبلوماسية المتخاصمين أن تخلط الأوراق، خلطة غريبة عجيبة، لم تكن حساباتها دقيقة وفقا لما كان يرى المتحاورون.
في اللعبة السياسية اللبنانية التقليدية الكثير من الخصائص والمفارقات، فالتحالفات تتغير، والحدث الكبير يمكن أن يتحول الى خبر صغير، كما يمكن لقضية صغيرة أن تتحول الى واجهة لتداعيات مصيرية. وغالبا ما يحتضن المسرح اللبناني رقصات مثيرة، قد يتفاعل معها الجمهور أحيانا، وأحيانا أخرى تأتي خارج السياق، ثقيلة، لا تتلاءم مع المشاهد التي سبقتها، أو التي قد تأتي بعدها.
الاستقرار الأمني جاء بجهود بذلتها حكومة الرئيس تمام سلام، ووزير داخليتها نهاد المشنوق. والمشنوق نجح بالإدارة الأمنية للوزارة، وبدا كأنه يديرها بعقلية الضابط المتقاعد، أكثر مما يديرها بخصائص السياسي المحترف، رغم أنها وزارة سيادية ومتعددة الاختصاصات، وصلاحياتها واسعة جدا، تشمل الوصاية على البلديات والمحافظين. والدور البارز في الاستقرار الأمني كان للجيش الذي أدار عملية الاحتواء لأماكن الفوضى بحرفية عالية، لاسيما في طرابلس والبقاع الشمالي. ولا يتخفى على أحد أن المعطيات الخارجية كان لها أثر كبير في عملية وقف النزف الأمني، لاسيما ما يُحكى ان حالة الاسترخاء الإقليمية بين الأطراف الفاعلة. بصرف النظر عن الخلاف حول سورية.
وتعيش البلاد حالة من العبث السياسي اللافت، ظهرت صورته في المواقف التي رافقت جلسات الانتخاب الفاشلة لمجلس النواب والتي أخفقت في تظهير صورة الرئيس العتيد، وكانت مظاهر العبث السياسي بادية للمراقبين من خلال المواقف التي أطلقت بعيد رحيل الرئيس ميشال سليمان عن بعبدا، حيث تذكر البعض فجأة أنه أطاح بمؤامرة التمديد، رغم عدم وجود مؤامرة ولا متآمرين، والرئيس سليمان رفض منذ البداية كل الإغراءات التي قدمت له بهدف تمديد ولايته، ولم يغير ثوابته التي تضمنها إعلان بعبدا، وتمسك ببنود هذا الإعلان حتى الدقائق الأخيرة، وأكد عليها في خطابه الشامل في حفلة الوداع في قصر بعبدا.
ومن مظاهر العبث السياسي وفقا لتشخيص المراقبين، التسابق على رمي المسؤولية عن الفراغ على الآخر. فالمسبب، أو المشارك في عملية إنتاج الفراغ في قصر بعبدا، سيدفع ثمنا باهظا عن استهتاره، لاسيما في الساحة المسيحية، لأن الرئاسة الأولى لها رمزيتها المتقدمة على المستوى الوطني، وعلى المستوى الماروني بشكل خاص.
أما كرة المسؤولية عن الشغور فلا يمكن أن تستقر إلا في ملعب الهواة الذين لم تتطابق حسابات حقلهم المتأخرة على حسابات بيدر الشركاء الجدد، أو القدامى. ومن نافل القول ان لغة الجمع الضرورية، أو طرح القسمة البغيضة، لن تأتي برياح تشتيتها سفينة الهواة، لاسيما أن لغة الأرقام في لبنان غالبا ما تكون وجهة نظر، أكثر مما هي وقائع دامغة.
والعبث السياسي تجلى في الأسبوع المنصرم في مجموعة من المواقف الغربية التي صدرت عن مرجعيات فاعلة على الساحة اللبنانية، منها ما غلبت عليه سمة الانفعال في زمن يحتاج أكثر الى الروية والهدوء، ومنها ما حمل مقاربات تقسم الشعب اللبناني، وتصنف السياسيين بين من هو مصدر قوة للبنان، وبين من يعتبر على هامش الوطن.
أوساط سياسية واسعة الاطلاع على ما يجري ترى: أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق، أو تصور واضح حول ما ستؤول إليه الأمور فيما يتعلق بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ودعوة الرئيس نبيه بري لعقد جلسة في 2014/6/9 لا تستند الى تفاهم مسبق، بل تنطلق من مهنية عالية يمارسها بري في إدارته المتوازنة لمجلس النواب، وفقا لمعايير دستورية.
لا تستطيع أي قوة أن تفرض أمرا واقعا على اللبنانيين، ولم تعد لغة التهديدات تُسمع في أروقة الصالونات السياسية. وهذه الصالونات موصولة مع حلقة خارجية فاعلة، لن تسمح بالعبث باستقرار لبنان، كما أن المؤشرات الإقليمية تساعد على ترسيخ الاستقرار، خصوصا التطورات المطرية، والتبادل الهادئ للرسائل بين الرياض وطهران.
كل المعطيات تشير الى استقرار أمني ثابت على الساحة اللبنانية، والمخاوف التي عبر عنها بعضهم، لا تعدو كونها رغبات شخصية لها أهداف سياسية.
أما مندرجات الاستحقاق الرئاسي فتخضع لعبث سياسي واسع. فالاستحقاق لا يتحمل فرضيات وتجارب، يتخيلها متحمسون أو هواة، فالمعطيات الموضوعية تؤكد استحالة انتخاب أحد الأقطاب الموارنة من دون اتفاق هؤلاء. وحده التفاهم على شخصية وسطية قد يُنقذ الشغور القائم في موقع الرئاسة، وهذا التفاهم لا ينتقص من قوة الموارنة ولا من مكانة أقطابهم.