Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
قراءة سياسية في «المشهد الأمني الطارئ»
27 يونيو 2014
المصدر : الأنباء
طغى المشهد الأمني على «السياسي». التفجيرات الإرهابية والعمليات الأمنية وضعت جانبا الانتخابات الرئاسية واجتماعات الحكومة وسلسلة الرتب والرواتب. بدا كما لو أن لبنان دخل «مرحلة أمنية» جديدة وأن مفاعيل الخطة الأمنية آخذة في التآكل في ظل مناخ إقليمي جديد انطلق من العراق، وأن الإرهاب الذي استكان لأشهر عاد الى المسرح بعدما استجمع قواه وأعاد بناء خلاياه المقطعة الأوصال.وأهم ما يجدر التوقف عنده والالتفات إليه في هذا المشهد الأمني الطارئ:
1 ـ يوحي التزامن بين تفجر الوضع في العراق وانطلاق العمليات الإرهابية في لبنان بوجود صلة بين الأمرين ووجود «أمر عمليات واحد»، وإقدام تنظيمات إرهابية ناشطة في العراق على إيقاظ خلايا نائمة تابعة لها في لبنان وبما يوحي أن مثلث لبنان وسورية والعراق يشكل مسرح عمليات واحد.
لكن مصادر أمنية تقلل من شأن الترابط المفترض بين الأحداث العراقية والتفجيرات الحاصلة في لبنان ولا تعتبر أن هذه التفجيرات هي من نتاج تلك الأحداث والمرحلة الجديدة، بقدر ما تعد من نتاج مرحلة سابقة ومن بقايا «مرحلة يبرود والقلمون» التي صدرت سيارات مفخخة الى لبنان مازال القليل منها متواريا كالتي وضعت قيد الاستخدام هذا الأسبوع. وحسب هذه المصادر فإن إغلاق الحدود اللبنانية ـ السورية بالمعنى الأمني جعل حركة الخلايا الإرهابية في لبنان مقيدة وهامشها ضيقا، خصوصا لجهة إعداد وتجهيز السيارات المفخخة، وهذا ما يفسر جانبا من حالة الإرباك وعدم الحرفية لدى الجهات المنفذة.
2 ـ التطور والتغيير الأبرز على الصعيد الأمني الذي سجل بين جولة التفجيرات السابقة والجولة الحالية كان وضع الأجهزة الأمنية اللبنانية، سواء على مستوى رفع درجة ومستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة في الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام، وهذا التنسيق لم يقتصر على تبادل المعلومات وإلغاء حساسيات وتنافس، وإنما بلغ حد القيام بعمليات أمنية مشتركة ومنسقة، أو على مستوى اعتماد «الأمن الاستباقي والوقائي» الذي أعطى ثماره في الوصول الى الإرهابيين في مخابئهم وأوكارهم «الفندقية» وفي ملاحقتهم والحؤول دون الوصول الى أهدافهم الفعلية.
3 ـ إذا كان لبنان هدفا لـ «الإرهاب الإقليمي»، فإن جهاز الأمن العام يبرز هدفا أساسيا للإرهاب الوافد الى لبنان.
وهذا ما تؤشر عليه جملة أحداث تدافعت في أسبوع واحد وكان «الأمن العام» هدفا لها بشكل مباشر أو غير مباشر.
فمن السيارة المفخخة التي انفجرت في «ضهر البيدر» ولم يكن حاجز قوى الأمن وجهتها وهدفها وكانت المفارقة أن التفجير حصل على بعد مئات الأمتار من موكب اللواء عباس ابراهيم الى سيارة الضاحية الجنوبية التي أوقفها مفتش في الأمن العام حال دون إكمال طريقها لتنفجر «انتحاريا» وتودي بحياته، الى خلية القلمون التي أوقفتها مخابرات الجيش وكانت تخطط لاغتيال رئيس مكتب الشمال في الأمن العام المقدم خطار ناصر الدين الذي كان قاد قبل عامين عملية توقيف شادي مولوي المنتمي الى تنظيم «القاعدة»، الى عملية المداهمة التي نفذتها قوات النخبة في الأمن العام لأحد فنادق الروشة بعد توافر معلومات أكيدة عن تواجد إرهابيين فيه يعدون لتنفيذ هجمات انتحارية.وهذه العملية أدت الى إصابة ثلاثة عناصر من الأمن العام بينهم ضابط برتبة نقيب بعدما فجر أحد الانتحاريين نفسه فيما ألقي القبض على الآخر وكلاهما من الجنسية السعودية.
كل هذه الأحداث تشير من جهة الى أن «الأمن العام» بات يضطلع بدور رئيسي وعملاني في محاربة الإرهاب، ومن جهة أخرى الى أن «الأمن العام» بقيادته وضباطه ومنشآته صار هدفا رئيسيا للإرهاب بنسخته «الداعشية» الجديدة.
4 ـ الأمن في لبنان ممسوك، هذا ما يمكن قوله استنادا الى التطورات والأحداث الأخيرة التي دلت من جهة الى أن الأجهزة الأمنية ممسكة بزمام المبادرة وأن الوضع تحت السيطرة وأن المعركة مع الإرهاب انتقلت الى «أرضه»، ومن جهة ثانية الى أن العمليات الانتحارية والأنشطة الإرهابية غير متماسكة ومخترقة.لكن الأمن الممسوك لا يستمر في ظل وضع سياسي مؤسساتي غير متماسك ويساهم مع عوامل أخرى في اتساع نطاق الخروقات والثغرات الأمنية ويؤدي مع الوقت الى ضعف وتآكل المظلة السياسية الواقية في بلد الأمن فيه هو «أمن سياسي» بالدرجة الأولى، وبالتالي فإن عملية التصدي للإرهاب وأعراضه المتكاثرة قبل أن يتفشى في الجسم اللبناني لا تكون فقط بالطرق والوسائل الأمنية وإنما بطرق وإجراءات سياسية داعمة ومكملة والتي إذا لم تنجح في وضع حد للعمليات الإرهابية فإنها تنجح في عزلها وتعطيل مفاعيلها السياسية والطائفية «الفتنوية».
لذلك فإن التصدعات الأمنية التي لم تلامس بعد مرحلة الانهيارات يفترض أنها ستعجل في الاتفاق على إدارة مرحلة الفراغ الرئاسي وإطلاق عمل الحكومة وتفعيله، وفي تسريع الخطى لانتخاب رئيس جديد، وفي توفير الحماية السياسية للمؤسسات العسكرية والأمنية وتعزيز إمكاناتها، عدة وعتادا وعديدا، لخوض الحرب ضد الإرهاب والمحافظة على الخطة الأمنية ومكتسباتها، وللحفاظ أيضا على الاتفاق السياسي الذي أنتج هذه الخطة وهذه الحكومة.