Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الرئاسة المخطوفة
18 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
للمرة العاشرة يفشل مجلس النواب اللبناني في انتخاب رئيس للجمهورية، وحضور النواب الى القاعة العامة يتناقص مرة بعد مرة، فلم يتجاوز عدد الحاضرين في جلسة الثلاثاء في 2014/8/12 الـ 60 نائبا من أصل 128، والسبب دائما واحد، وهو مقاطعة نواب حزب الله وحلفائهم إضافة الى نواب تكتل التغيير والاصلاح الذي يترأسه المرشح العماد ميشال عون.
تعطيل جلسات الانتخاب أصبح ثقيلا على الحياة السياسية اللبنانية، وتكاد عملية تأجيل الجلسات - التي امتدت هذه المرة الى 2014/9/2 - تولّد يأسا لدى جمهور المواطنين، وتزيد الاحباط الذي يعيشونه جراء الأزمات المتعددة، والمتلاحقة.. من المطالب المعيشية والحياتية الملحة مرورا بشح المياه وانقطاع الكهرباء، وصولا الى المخاطر الأمنية الكبيرة، وآخرها ما حصل في عرسال، وولد تداعيات واسعة، خصوصا موضوع المخطوفين من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي.
هؤلاء المخطوفون أصبحوا بمنزلة الرهائن عند المعتدين الذين هاجموا عرسال من وراء الحدود السورية، وتحولوا الى ما يُشبه «قضية اعزاز جديدة» ولكن مع فارق ان مخطوفي اعزاز المحررين العام الماضي، كانوا من طائفة واحدة، بينما المخطوفون العسكريون اليوم ينتمون الى عدة طوائف. وتداعيات الخطف حدث يومي لا يمكن تجاهله، أو القفز فوقه، نظرا لما له من تأثيرات وطنية، وحيث ان اهالي العسكريين يتحركون يوميا، ويقطعون الطرقات طلبا للافراج عن ذويهم، اضافة الى اعتبار قائد الجيش العماد جان قهوجي ان قضية استرجاع هؤلاء المفقودين تتقدم على ما عداها من القضايا.
مما لا شك فيه أن حجم الملفات التي تحدق بالمساحة اللبنانية كبير جدا، وقدرة الوطن الصغير المحدودة، لا تتمكن من مواجهتها متفردة، ويد المساعدة لم تمتد اليه كما يفترض. فلولا الهبة المالية السعودية، وبعض التضامن الاعلامي من سفراء الدول الكبرى، يمكن القول: ان لبنان متروك في مواجهة العواصف العاتية القادمة من المحيط الملتهب. بل أكثر من ذلك، فإن أوساطا سياسية متابعة، ترى أن بعض القوى الدولية والإقليمية المؤثرة على الساحة اللبنانية، تُشجع المعرقلين، وتشد أزر الذين لا يسهلون حلحلة الملفات العالقة.
ومن أبرز الملفات العالقة في لبنان، موضوع الشغور الحاصل في موقع رئاسة الجمهورية منذ 25 مايو الماضي، والأمر في منتهى الخطورة لكون الموقع بمثل رمزية للبنانيين جميعا، وعند المسيحيين بشكل خاص، إضافة الى الحاجة الدستورية لهذا الموقع، كون مجلس الوزراء مجتمعا، لا يمكن له أن يقوم بالمهام الرئاسية لفترة طويلة، لأن الإجماع ليس مقاربة واقعية في الأنظمة الديموقراطية، فالنظام الأكثري يبقى الأصلح لتسيير عجلة الدولة، ولا يمكن الركون دائما الى التوافق الكامل، كما هو عليه الأمر اليوم في مجلس الوزراء، رغم الحكمة المتناهية التي يتصرف بموجبها رئيس الحكومة تمام سلام.
الأوساط السياسية المتابعة لما يجري، ترى أن رئاسة الجمهورية مخطوفة، وان الخاطفين معلومون ومجهولون في آن واحد.
ان تعطيل العملية الانتخابية قرار معلن عند القوى التي تريد العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، وشعار «الحل بعودة الحق لأصحابه» - في إشارة الى حق العماد ميشال عون بتولي منصب رئاسة الجمهورية، لكونه يترأس أكبر كتلة نيابية مسيحية، يُخفي مغامرة غير محسوبة، يمكن لها أن تؤسس لمقاربات خطيرة في ظل هذه الأوضاع البالغة التعقيد التي يواجهها اللبنانيون بشكل عام، والمسيحيون بشكل خاص.
قرار اختطاف الرئاسة اللبنانية يبدو أنه يحظى بتأييد قوى سياسية محلية وإقليمية نافذة، لأن القوى التي يمكن أن تؤثر على موقف العماد عون، لا تحرك ساكنا لتسهيل الأمور، وبالتالي إقناعه بالعمل على فكفكة الانحباس المخيف، دون أن يعني ذلك تقديم انتصارات للطرف الآخر. ذلك أن واقع الحال يبين أن الاستحالتين تواجهان الطرفين على حد سواء. بقدر ما تبين هذه الوقائع استحالة وصول مرشح قوى 14 آذار للرئاسة، على نفس القدر هناك عوائق فعلية تمنع وصول مرشح قوى 8 آذار للرئاسة.
ان المساعي التي قام بها رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط في اتجاه إيجاد مخارج للانسداد القائم في ملف الرئاسة، لا يبدو أنها وصلت الى نتائج جدية، فاحترام حزب الله لخصوصية التحالف مع العماد عون واسعة الى حد المكابرة، والاريحية العادية التي يتصرف فيها العماد عون، قد يكون مُبالغ فيها نظرا لاستثنائية الأوضاع وخطورتها.
كل المؤشرات تؤكد حتى الآن، ان الانتخابات الرئاسية مؤجلة، ومع استمرار تأجيلها، جرف موجها الهائج استحقاق الانتخابات النيابية، لأن ولاية المجلس النيابي الحالي الممددة، تنتهي في 20 نوفمبر المقبل. والربط بين الأولويتين أنتج تجاذبا سياسيا جديدا بين أفرقاء النزاع، كانت الساحة بغنى عنه، فقوى 14 آذار تطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية قبل النيابية، بينما قوى 8 آذار لا ترى مانعا من إجراء الانتخابات النيابية قبل إنهاء الملف الرئاسي العالق.
الرئاسة اللبنانية مختطفة مع الذين يمنعون اكتمال النصاب لجلسة الانتخاب، وهؤلاء الخاطفين لا يفتحون خطوط التفاوض، ولا يقبلون بفك الرهان.