Note: English translation is not 100% accurate
توترات طائفية في مرافق وطنية
8 فبراير 2015
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
من المفارقات الغريبة في الحياة السياسية اللبنانية أن يلجأ بعض الاطراف الى استخدام البُعد الطائفي أو المذهبي لتحقيق أهداف محض سياسية. معظم اللبنانيين لم يفهموا حتى الآن أبعاد وخلفيات الاعتراض على ردم جزء كبير من الحوض الرابع في مرفأ بيروت، والمتابعون للقضايا التربوية والطلابية توقفوا بتمعن أمام تصريح وزير التربية والتعليم العالي «الأكاديمي» إلياس أبوصعب، الذي أشار فيه الى مشكلة في الجامعة اللبنانية، قد تتفاعل لتأخذ أبعادا طائفية أو مذهبية.
في هذين المرفقين العامين الوطنيين - عنيت مرفأ بيروت والجامعة اللبنانية - مشكلات طفيفة، وبسيطة، تحصل في كل الدول، وفي كل المؤسسات المشابهة، وهي بطبيعة الحال من يوميات العمل العام الذي يواجه تحديات واعتراضات، وتحصل فيه أخطاء، وتتحقق فيه إنجازات، ولكن أن يصل الأمر الى حد انقسام البلاد، وقواها السياسية حول بعض تداعيات ما يحصل في مرفأ بيروت مثلا، فذلك من الغرائب اللبنانية التي تخفي مساحة واسعة من الاستخفاف بالتضامن الوطني، ويؤشر الى عصبية فئوية متعاظمة، تتغلب أحيانا على العصبية الوطنية الجامعة.
موضوع ردم جزء من الحوض الرابع في مرفأ بيروت الذي تجنب طرحه رئيس الحكومة تمام سلام أمام مجلس الوزراء الأربعاء الماضي، لأنه قد يؤدي الى انفراط عقد الحكومة، كان من القضايا المسلم بها منذ سنوات، والأعمال مسألة بديهية يحتاجها أي مرفق عام بهدف تطوير الأداء. وقرار توسيع ساحات ركن المستوعبات وتمديدها الى الجهة الشمالية من المرفأ - أي ردم جزء من الحوض الرابع الذي لا يُستخدم - نصحت به شركة الاستشارات الالمانية «سيلهورن» وفق معايير موضوعية لا تخفي أي أبعاد سياسية أو طائفية.
أما مرسوم توسعة وتأهيل المرفأ وردم جزء من الحوض الرابع، فقد صدر في العام 1996 تحت رقم 9040، ووقع عليه الرئيس الراحل الياس الهراوي، والرئيس الشهيد رفيق الحريري ووزير الأشغال عمر مسقاوي (وهو ابن طرابلس) ولكن لم يقصد أبدا تجيير جزء من عمل مرفأ بيروت الى مرفأ طرابلس - كما أشار بعض السياسيين - بل الهدف توسعة طاقة استيعاب مرفأ بيروت.
منذ العام 2007 أقرت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة تلزيم أشغال الردم وتوسيع الرصيف 16 ليتمكن من استقبال السفن العملاقة. وشركة حورية متعهدة المشروع أنجزت جزءا كبيرا من أعمال الردم، وهي تتقاضى أتعابها من أموال المرفأ، وليس من خزينة الدولة اللبنانية، وقد حصلت حتى الآن على ما يقارب 50% من قيمة المشروع البالغة 130 مليون دولار.
جزء كبير من الرأي العام، والمراقبون، استغربوا الحملة الطائفية ضد مشروع توسيع مرفأ بيروت، واعتباره استهدافا لمصالح المسيحيين ومكانتهم، لاسيما بعد دخول النائب البطريركي العام المطران بولس صياح على خط الاعتراض، وترأسه لعدة اجتماعات ضمت مندوبين عن الاحزاب المسيحية بهدف وقف المشروع. وهذه الأحزاب مختلفة بالأساس على النفوذ في منطقة المرفأ، لاسيما أن الأمر سبب قطيعة في مراحل ماضية بين القوات اللبنانية وحزب الكتائب، ودخل التيار الوطني الحر قوة رئيسية في الصراع اليوم. بالمقابل لم يتبن أي من الأطراف الإسلامية عملية الردم على قاعدة المصالح الفئوية، بل اقتصر الأمر على المناداة بالتقيد بتنفيذ مرسوم التوسعة المتفق عليه من الحكومة مجتمعة، واحترام العقود والتلزيمات المبرمة.
تم توقيف العمل الجاري بردم الحوض الرابع، بعد الاجتماع بين الوزير الياس أبوصعب المكلف المتابعة باسم القوى المسيحية ومدير عام المرفأ حسن قريطم، من دون أن تتضح الخلفيات والدوافع، ولا الاعتبارات السيادية التي أوجبت هذا الأمر. ونتج عن التوقيف مناخ طائفي لم يكن ضروريا في هذا التوقيت العصيب الذي يمر به لبنان.
ومما ساهم في بعض التفاقم للتوترات الطائفية ما حصل في فروع الجامعة اللبنانية في طرابلس والبقاع، حيث ساهمت بعض التغييرات في الانتماءات الطائفية لبعض مديري الكليات، لاسيما في إدارة الأعمال في طرابلس والحقوق والبقاع، في شحن الأجواء، خصوصا بين صفوف الطلاب، وخلفهم بعض القوى السياسية، في سابقة غريبة، ستؤثر سلبا على الحياة السياسية، وسيكون لها ارتدادات على أهم مرفق عام وطني في البلاد، عنيت الجامعة اللبنانية، التي تضم أكثر من 70 ألف طالب ينتمون الى مختلف الفئات اللبنانية.
أوساط سياسية متابعة ترى: انه بصرف النظر عما قيل عن رفض رئيس الجامعة اللبنانية د.عدنان السيد حسين تعيين مدير «سني» لكلية إدارة الأعمال في الشمال، أو رفضه تعيين «درزي» مديرا لكلية الحقوق في البقاع، تقتضي المصلحة الوطنية اللبنانية إبعاد هذا المرفق الوطني الأكاديمي عن التجاذبات الطائفية، لأن التحصيل العلمي ومواكبة العصر لا لون طائفيا أو سياسيا له، ويجب أن تكون معايير الكفاءة فوق أي اعتبار آخر.
التوترات الطائفية في المرافق الوطنية، لعنة جديدة تصيب الحياة السياسية اللبنانية، وهي تفاقم الأزمات الناتجة عن الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية، ولا تعوّض أيا من الطوائف عن الغبن الذي يصيب الوطن برمته.