Note: English translation is not 100% accurate
تقرير اخباري
المسيحيون في لبنان.. لماذا تراودهم فكرة «الفيدرالية»؟!
3 ابريل 2016
المصدر : بيروت
يختلف المسيحيون في لبنان بشكل حاد على رئاسة الجمهورية ويفشلون في إخراج كرة الرئاسة من ملعبهم.ويختلفون نسبيا على قانون الانتخابات بين أكثري ونسبي ومختلط ودائرة فردية أو متوسطة.لكن المفارقة ان أكثر ما يجمعهم ويلتقون عنده حاليا هو مستقبل لبنان بنظامه السياسي الجديد وصيغة الحكم المتناسبة مع المتغيرات التي حصلت في فترة الحرب الأهلية والتحولات الجارية في المحيط العربي.
يلاحظ في الآونة الأخيرة، منذ أشهر قليلة ان النخب المسيحية الفكرية والسياسية في حلقات مغلقة أو في ندوات مكشوفة بدأت تفكر بصوت عال بموضوع الفيدرالية وتطرحها على بساط البحث والتداول، وأن الأحزاب المسيحية الرئيسية، وهي: التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب، تطرح في أدبياتها السياسية فكرة الفيدرالية تصريحا أو تلميحا ومع اختلاف في أشكال وطرق التعبير.فالكتائب، آخذة في الاعتبار الخشية المزمنة، عند المسلمين تجاه «الفيدرالية المرادفة بنظرهم للتقسيم»، تطرح «الاتحادية» كعبارة مطمئنة ومقبولة، في إشارة الى فيدراليات عدة في أكثر الدول رقيا وأعقدها تركيبة اجتماعيا وثقافيا مثل الاتحاد السويسري وألمانيا الاتحادية والولايات المتحدة، وحتى الإمارات العربية المتحدة. أما القوات اللبنانية، الحريصة حتى إشعار آخر على اتفاق الطائف، فتستعيض عن عبارة الفيدرالية وتكتفي بعبارة «اللامركزية الإدارية الموسعة» الواردة في دستور الطائف ولم تطبق بعد وستكون خطوة أولى عملية داعمة ومكملة لـ «فيدرالية الطوائف» المطبقة فعلا وعرفا في لبنان. وحتى التيار الوطني الحر كانت صدرت عن قياداته إشارات في اتجاه الفيدرالية، ملوحا بهذه الورقة في سياق المعركة السياسية الدائرة والضغوط والتهديدات والابتزازات المتبادلة.
في الواقع، طرح الفيدرالية ليس جديدا في لبنان ولا عند المسيحيين. حدث ذلك في بدايات الحرب عندما أعلنت الجبهة اللبنانية توصيات خلوة سيدة البير عام 1976 وتضمنت تعابير «التنوع والتعددية والفيدرالية».وتبلورت خلال الحرب وعملية الفرز السكاني والجغرافي معالم منطقة مسيحية عرفت بـ «المنطقة الشرقية» اعتبرت بمثابة نواة صلبة للمشروع الفيدرالي، ولكن المنطقة الشرقية تفككت وانهارت بفعل الحرب المسيحية الداخلية، فيما الفيدرالية تحطمت عند جدار اتفاق الطائف.
تعود فكرة الفيدرالية الى التداول مجددا في الأوساط المسيحية لـ 3 أسباب رئيسية:
1 ـ الفشل المريع للحكومة المركزية في إدارة أبسط الأوضاع والملفات التي لها علاقة مباشرة بحياة الناس وصحتهم ورفاهيتهم وسلامتهم.ووصل الأمر الى ذروته مع أزمة النفايات التي كانت بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير» ودفعت بالرأي العام اللبناني والمسيحي الى النفور عن الحكومة والدولة المركزية والى البحث عن بدائل حلول «لامركزية». فإذا كانت أزمة النفايات شكلت ذروة العجز عند الدولة وذروة الشكوى عند الناس، فإن الشكوى المسيحية كانت تتراكم عناصرها منذ سنوات من جراء الإهمال الرسمي للمناطق المسيحية وعدم تطبيق مبدأ الإنماء المتوازن وعدم التناسب بين ما تدفعه من ضرائب وما تتلقاه من خدمات.
2 ـ تولد اعتقاد، يتحول أكثر فأكثر الى قناعة، بأن اتفاق الطائف قاصر في تأمين المشاركة الفعلية للمسيحيين في الحكم والدولة وفي صناعة القرارات المركزية والسياسات العليا وفي إعطائهم حقهم ودورهم. وأنه آن الأوان للبحث والتفتيش عن نظام سياسي آخر وعن صيغة أخرى تتيح للمسيحيين اختيار ممثليهم الحقيقيين في مجلس النواب وإيصال الأنسب والأكثر تمثيلا بينهم الى رئاسة الجمهورية وصيانة حقوقهم ومصالحهم وخصوصياتهم تحت سقف الوحدة الوطنية.
3 ـ المتغيرات الجيوبوليتيكية في المنطقة العربية وبعدما تسببت الثورات والحروب العربية في تدمير دول أساسية وتمزيق أنسجتها الاجتماعية والدينية والطائفية حتى غدت الفيدرالية هي البديل عن التقسيم والمانع له و«أهون الشرور» و«أفضل الحلول».هذا ما حدث في العراق الذي بات موزعا بين 3 مناطق وأقاليم: شيعية في الجنوب وبغداد وسنية في الوسط وكردية في الشمال.وهذا ما حدث في ليبيا المقسمة «جهويا» بين غرب وشرق مع عاصمتين هما طرابلس وبنغازي.وما حدث في اليمن المقسم بين شمال وجنوب مع عاصمتين هما صنعاء وعدن. وهذا ما حدث في سورية الى مناطق سنية وعلوية وكردية.أما المسيحيون في سورية، حيث يتمركزون في وادي النصارى خصوصا، أما المسيحيون في العراق، حيث يتمركزون في سهل نينوى، فإنهم بالكاد يطمحون الى وضع إداري خاص وليس «الحكم الذاتي».
المسيحيون في لبنان الذين من جهة أذهلهم وأرعبهم ما حصل لمسيحيي العراق وسورية (تراجع عددهم في العراق بنسبة 40% وفي سورية بنسبة 54% بين عامي 2010 و2015)، والذين من جهة ثانية يرقبون التحول الجاري نحو أنظمة حكم جديدة فيدرالية مع استحالة عودة هذه الدول المجاورة الى ما كانت عليه، فإنهم يتطلعون أكثر من أي وقت مضى الى الفيدرالية أو اللامركزية في نزعة اتحادية لا تقسيمية ولا يلجمها أو يوقفها إلا تلبية الحد الأدنى من مطالبهم: قانون انتخابات يؤمن التوازن والتمثيل المسيحي الصحيح.ولامركزية إدارية موسعة في تطبيق فعلي لاتفاق الطائف نصا وروحا.