Note: English translation is not 100% accurate
عن المواطن والدولة اللبنانية ومسرحية الفساد
18 ابريل 2016
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
يتفرج اللبنانيون على مسرحية بالغة التشويق، تتداخل فيها فصول الدراما والكوميديا في مشهدية واحدة، كما فيها محطات متداخلة من المغامرات البوليسية التي يتوزع ابطالها بين اصحاب المقامات والمواقع الرسمية، واشخاص يشبهون زعماء المافيات في جزيرة صقلية الإيطالية في نهايات القرن الماضي، إبان تولي هؤلاء الزعماء قيادة الجزيرة، وقبل أن ينقض عليهم كبار قضاة العدالة في روما. المواطنون اللبنانيون مندهشون أمام ما يحصل، يترقبون نتائج التحقيقات في الفضائح او الجرائم او الاختلاسات، وينتظرون صدور الأحكام على شكاوى التجاوزات، لكن الأحكام لا تصدر، والمتفرجون يتملكهم اليأس من تسلسل الأحداث وتتابعها، وبالتأكيد فإن تلاحق الأحداث يصنع امامهم دراما جديدة تنسيهم ما سبق سماعه كأنما المخرج ذاته يتحكم في إنتاج المشاهد بالعروض المتعددة.
وللفساد في لبنان بيئة مثالية حاضنة، يساهم فيها نظام تقاسم الحصص الطائفية في مواقع السلطة، مضافا إلى تقاسم الحصص بين طبقة سياسية تغلب عليها سمة الاستهتار والاستبداد والمكابرة، كي لا نقول ان بعض اشخاصها تنقصهم الملاءة الوطنية، فيجنحون باتجاه مصالحهم الشخصية اكثر من انحيازهم لمصلحة الوطن. لكن هذا لا يمنع وجود فئة راقية من السياسيين يحملون على اكتافهم هموم اللبنانيين والحفاظ على استقرار الدولة.
الفراغ في مواقع السلطةـ لاسيما شغور سدة الرئاسةـ يشجع المرتكبين. وتولي مواقع المسؤولية بالوكالة لفترة طويلة يبعث على الاستهتار والاستخفاف بمصالح الناس وبأموال الدولة، لاسيما عندما تغيب المحاسبة، او عندما تتلاشى دوائر الرقابة تحت سلطان التأثيرات السياسية او الحزبية او الطائفية. في حقبة الوصاية كانت المحاسبة تطول أصحاب الكفاءة من غير الموالين، وتعرج في طريق العودة على بعض صغار المرتكبين بقصد التعمية على الظلم. اما اليوم، فإن العكس يحصل، ولكن بمهارة أداء عالية. فالملاحقات تطول أكثر المرتكبين، وتتناول أصحاب النزاهة بدرجة اقل، ولكن مهارات الأداء عند عدد كبير من أصحاب المواقع الدستورية والقانونية والإدارية والأمنية قلبت الصورة، بحيث يواكب الإعلام الملاحقات على شاكلة واسعة، ويظهر قادة مواقع الملاحقة كأنهم جهابذة خارقون يشبهون ابطال القضاء الإيطالي الذين وضعوا بيرلسكوني في السجن، واجبروه على العمل في تنظيف مدينة روما، لكن هؤلاء الجهابذة ربما لا يعرفون ان الناس لا تصدق إجراءاتهم، وكيف تطوف انتقائية الملاحقة فورا الى السطح، ثم تغطس بقدرة قادر الى الأعماق فتنسى، ويموت البطل قبل صدور الأحكام. أخطر ما يمكن ان تقوم به مواقع السلطة هو ممارسة دور الناظم والحكم ودور استقطابي للمرجعيات الطائفية او السياسية في آن واحد. أو تكون لديها القدرة على الاجتهاد في تفسير القانون وتطويعه بما يخدم مصالحها. أو ان يكون عندها القدر أقوى من القضاء. في ايام البؤس السياسي والدستوري والقانوني التي يعيشها اللبنانيون فسحات واسعة من الأمل. بعض الخطوات الجبارة التي قامت بها وزارات تتعلق بحياة الناس تعطي بارقة امل. كما ان المواطنين يعولون على نزاهة بعض القضاة لوقف عرض مسلسل الفساد المتمادي، وكذلك الأمر على الإجراءات العسكرية والأمنية الجريئة التي شهدناها في الأيام الأخيرة.