Note: English translation is not 100% accurate
محمد المجذوب: نموذج العروبة الراقية
23 مايو 2016
المصدر : الأنباء
د.ناصر زيدان
توقف قلب محمد المجذوب، وفجأة توارت صورة فريدة من بين فسيفساء اللوحات الناصعة في المشهد العربي. صورة كانت تبعث على الاعتزاز، وتغني الذاكرة بباقة من الورود المجمعة من بساتين صيدا وحدائق بيروت، ومن بنفسجات ضفاف النيل ومسك الخليج، وفي الباقة ايضا رائحة من تمر العراق وعنب الجزائر وزنبق مراكش.
عرفته منذ اكثر من ثلاثين عاما. كنا على مقاعد الدراسة الجامعية، وكان المعلم، يشرح لنا عن الدساتير المتنوعة، وعن القوانيين الدولية، وعن الأحزاب السياسية. اذكر انه قال لنا يوما: «ان الأحزاب اللبنانية تتميز بفرادة لا ينطبق عليها أي من التصنيفات المعتمدة لأنواع الأحزاب». محمد المجذوب نموذج عن العروبة الصافية، الاصيلة، الصادقة. العروبة التي تستند الى العلم والمنطق، بعيدا عن الشعبوية الركيكة، وعن الاستبداد والقهر. وتظهير الصورة العربية الراقية، كان الهاجس الاهم عند محمد المجذوب، فهو ضليع الى ابعد الحدود في اصول العائلات العربية، وكيف تتشعب افخاذها بين الاقطار العربية، وكيف تتوزع على المجموعات الروحية الإسلامية وغير الإسلامية. ضاربا مثالا على عائلته التي قدمت من المغرب، ويوجد فروع لها في معظم الدول العربية.
ومن لم يجالس محمد المجذوب، لا يدرك مدى المامه بتفاصيل قواعد اللغة العربية، وحرصه الدائم على التمسك باستخدامها على الشاكلة الصحيحة، في الحديث، وفي الكتابة، وفي تصويب المعاني التي تدل عليها الكلمات، ومن بينها اهمية وضع النقاط والفواصل، ودلالات تحريك الاحرف بالضمة والفتحة والكسرة والسكون.
رغم تبوئه لمراكز ادارية وعلمية وقانونية عالية - لاسيما كعميد لكلية الحقوق، ومن ثم كرئيس للجامعة اللبنانية، وكرئيس للمجلس الدستوري – بقي للهم العروبي المكانة الاولى في صيرورة حياته الشخصية والمهنية. والحديث عن الهموم العربية كان الحاضر الدائم على مائدة انشغالاته.
غالبا ما كان يتقصد بالحديث معنا في الجلسات المتعددة، ذكر لقاءاته مع كمال جنبلاط. وهو مندهش من الصفاء العروبي لديه. واستذكر كيف دعاه جنبلاط الى لقاء ضم نخبه من المفكرين والاساتذة الجامعيين بعيد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر. وكان الهدف من اللقاء، وضع رؤية مشتركة عن كيفية مواجهة الاخطار التي تحدق بالامة العربية، واهم عناصر هذه الرؤية، انشاء اتحاد عربي بين الدول العربية، يرتكز على التعاون التجاري والصناعي والزراعي والدفاعي، ولا يلغي الخصوصيات الجهوية، او القطرية للدول الاعضاء. كنت اشعر انه يرتاح لترداد عبارات قالها لهم جنبلاط: «ياعمي لا يجوز ان نترك مشعل العروبة في ايدي بعض العسكريين الذين يشوهون الفكرة، ولا يعرفون عن الانبعاث العربي الراقي أي شيء».
غياب محمد المجذوب عن المشهد يترك أثرا في اغلبية المنتديات الثقافية والفكرية في لبنان، ويشكل خسارة لحلقة التواصل العربي، وسيترك فراغا في مسيرة النهوض العربي.وفي ذكرى نكبة فلسطين، قد يكون الوقت مناسب للاضاءة على عناصر القوة التي تنبعث من الفكرة القومية الجامعة، كي لا يؤدي الضياع والتشتت الى نكبات أخرى تزيد من الآلام اللبنانية والعربية.