بيروت: تختصر «المناظرة المبارزة» بين جريدتي «السفير» و«الأخبار» ومحورها بري وعون، المشهد السياسي الحالي و«الأزمة الصفقة» الرئاسية التي توقفت عند عتبة عين التينة.. جريدة «السفير» «المحسوبة» على الرئيس بري تلقي باللائمة على عون لأنه يتجاهل موقع ودور بري وتحمله ضمنا وبسبب ذلك مسؤولية عدم وصوله الى قصر بعبدا.. وجريدة «الأخبار» «المتحمسة» للعماد عون، توجه انتقادات لبري على موقفه المعرقل لوصول عون وتحمله مباشرة مسؤولية فشل مشروع رئاسة عون واستمرار أزمة الفراغ والحكم. الصحيفتان تلتقيان في الهدف، والنتيجة الضغط على عون وبري للالتقاء والاتفاق:
1 ـ جريدة «السفير» تضع الكرة في ملعب عون وتدعوه الى التفاوض مع بري والتنازل له والتعاطي معه كمعبر إلزامي الى قصر بعبدا. ومما ورد في افتتاحيتها:
«هذا البلد لا يحكم بالثنائيات. تركيبته لا تحتمل الا الشراكة الكاملة. ما يسري على فرنجية يسري على عون. لا يكفي اتفاق «الجنرال» مع الحريري لإنتاج تسوية ما. الفرصة الرئاسية جدية أكثر من أي وقت مضى ولابد من إنهاء الفراغ الرئاسي اليوم قبل الغد، وعلى الجميع اغتنام الفرصة المتاحة لأنها لن تكون مفتوحة زمنيا في ظل ما يشهده الإقليم من احتدام قابل للتحول الى بركان كبير.
يعني ذلك أن ميشال عون يجب أن يتحرر من عقدة رسخها حتى في ذهن جمهوره: إذا قرر حزب الله أمرا ما، يستطيع أن يفرضه فرضا على نبيه بري. هذه معادلة ساقطة في السياسة. التعقيدات اللبنانية تشي بضرورة التحرر من عقد الماضي والحاضر. لا يمكن إهمال أي مكون، فكيف إذا كان اسمه نبيه بري بما يمثل من موقعية دستورية ووطنية وطائفية وحتى ميثاقية بحسابات ميشال عون نفسه؟
الكل يتحدث مع الكل، إلا ميشال عون يرفض فتح الأبواب مع نبيه بري. هل هناك عاقل في السياسة في لبنان يعتقد أنه يمكن أن يصل أي مرشح إلى القصر الجمهوري من دون معبر نبيه بري الإلزامي؟ هل هناك عاقل في لبنان يجهل حقيقة أن قيادة حزب الله، ورغم حرصها على عمقها الاستراتيجي الداخلي الذي تمثله الحالة العونية مسيحيا، لن تخضع لمنطق الابتزاز الذي يحاول تحميل «الثنائي الشيعي» مسؤولية عدم وصول هذا المرشح أو ذاك الى رئاسة الجمهورية، وبالتالي لن تفرط قيد أنملة بتحالفها مع عمقها الشيعي الاستراتيجي الذي يمثله نبيه بري وحركة «أمل».
إذا كان عون يريد أن يشكل بوصوله عنوانا للميثاقية، وإذا كان الحريري يريد أن يفتدي الطائف بقبوله بـ«الجنرال».. وإذا كان حزب الله قد وضع ثقته العالية والغالية بعون زعيما ومن ثم رئيسا، وقدمها على أي اعتبار، صار لابد من مبادرات شجاعة وخلاقة بهدف تبديد المعوقات إذا وجدت، خصوصا أن سعد الحريري كان بمقدوره أن يتجاوز رفض حزب الله لمرشح، كما صار في حالة سليمان فرنجية، لكنه، وهو في حالة خصومة مفتوحة مع حزب الله، لن يتجاوز المكون الشيعي الآخر نبيه بري بأي حال من الأحوال.
يسري الأمر نفسه على وليد جنبلاط. قد يتفق الأخير على الاختلاف مع حزب الله لكنه لن يخوض معركة يخرج منها حليفه التاريخي نبيه بري مهزوما. هذه هي بعض حقائق الواقع السياسي اللبناني. هل يستطيع «الجنرال» كسرها عبر القول: «لن أعقد أي تفاهمات مع أي طرف قبل وصولي إلى بعبدا. إذا فتحت هذا «البازار» فلن أصل إلى القصر خلال عشرين سنة، بينما مجرد وجودي في مقعد الرئاسة الأولى كفيل بأن يشكل عنصر اطمئنان لجميع المكونات اللبنانية، وعندها أستطيع أن أتفاهم مع الجميع وأن أقنعهم بخياراتي». نعم، يستطيع «الجنرال» أن يردد مثل هذه العبارات وأكثر، لكنها لن تكون كفيلة سوى بإبعاده عشرين دهرا عن القصر الجمهوري.
٢ ـ جريدة «الأخبار» تضع الكرة في ملعب بري وتحمله مسؤولية الوضع بسبب الفيتو الذي يضعه على عون ودور رأس الحربة الذي يلعبه ضد انتخابه رئيسا. ومما ورد في افتتاحيتها:
«أنت يا أستاذ نبيه لا تريد عون رئيسا. لديك أسبابك. وليس لأحد إلزامك بتغيير اقتناعاتك. ولكن ماذا يعني أنك تخوض معركة منع وصول عون الى بعبدا، لا أن تكتفي بمعارضة ذلك؟ وكيف ستقوم بهذه المعركة، وبأي وسائل، وماذا ستحقق؟ تعرف، جيدا، أن عون يعاقب من قبل جهات خارجية يتقدمها الغرب، وجهات عربية تتقدمها السعودية، وجهات محلية تتقدمها قوى ١٤ آذار على اختلاف مذاهبها. وهو عقاب سببه الرئيسي ليس فقط رفضه طريقة إدارة الدولة، بل أساسه قراره الاستراتيجي، الوقوف الى جانب المقاومة في لبنان.
عون نجح، بنتيجة أعلى من الجميع، في حفظ قضية ومصالح وحاجات شيعة لبنان، الذين تمثل أنت رأس فريقهم الرسمي. عون سار عكس تيار لبناني وعربي وعالمي، وقرر الوقوف الى جانب الدولة السورية، ولم تهزه كل أنواع التهويلات والتهديدات. تعرف يا أستاذ نبيه أن استقرار الصيغة السياسية الحاكمة في لبنان صار شرطه تمثيلا مسيحيا حقيقيا داخل السلطة، لا تمثيلا مفروضا على المسيحيين، وأنت الذي خضت معركة أن يختار الشيعة من يمثلونهم داخل الدولة.
وكيف لك، وأنت صاحب العبارة المشهورة بأنه في حال قرر الأقطاب المحاصصة، فأنت تريد حصتك، وهي حصة للشيعة، كيف لك أن تقبل بألا يأخذ المسيحيون حصتهم من هذه الدولة؟ وكيف لك أن تتصور صبر العماد عون على سلطة لم تجاره في شيء، وتمنع عليه حقه في الوصول إلى الرئاسة، وتمنع عليه المشاركة في اختيار قائد للجيش، أو حاكم لمصرف لبنان، أو مسؤول بارز في هذه المؤسسة أو تلك؟ ثم تتم دعوته الى مزيد من الصبر، والى التنازل، ولكن لمن؟ لحفنة من السارقين والطائفيين الذين يحترمون موقعك يا أستاذ نبيه، خوفا لا اقتناعا!
تعرف أن حزب الله محق في رفض عودة الحريري الى السلطة، فقط من باب المعاملة بالمثل، قبل أي اعتبار سياسي آخر. ولكنك تعرف أن حزب الله تنازل بصورة كبيرة عندما قبل بعودة الحريري الى رئاسة الحكومة. فلماذا تفعل ذلك بالحريري لا بعون؟ وأنت تعرف، أيضا، أنه سيكون صعبا إقصاء عون والإتيان بالحريري. والأهم، أن السؤال عن بقائك في رئاسة المجلس سيتحول الى سؤال عام، ولو من باب النكاية.
لا تريد عون رئيسا للجمهورية، وتفكر، في حال توافق الحريري مع حزب الله على القرار، بأن تقاطع الجلسة؟ هل ترى في ذلك فعلا ديموقراطيا، أم تحاول تجربة الحرد والإحباط وأنت أول عدو لهذه العوارض؟ أم انك تريد إحراج حزب الله الذي تعرف أنه لن ينزل الى مجلس النواب من دونك. فلماذا تفعل ذلك مع الحزب لا مع عون نفسه، وأنت الذي يعرف أكثر من أي إنسان على وجه الارض، أنك بالنسبة الى الحزب، والى المقاومة، حاجة أبدية، وأن الحزب تنازل لك، ومستعد لمزيد من التنازل لك، من أجل حماية بيئة المقاومة المباشرة؟
أكثر من ذلك أن تفكر، بأنه في حال نزل عون الى الشارع، فستقابله في الشارع أيضا، وتطلب من نقابيين عندك الاستعداد لاحتمال النزول الى الشارع، في حال نزل عون. فما الذي تفكر فيه؟ هل تريد المواجهة على الأرض؟ هل تريد نسف تفاهم فشلت كل قوى الأرض في تحطيمه منذ عشر سنوات الى اليوم، وكرمى لعيون من؟
آخر الكلام: إن الخشية على مكتسبات عمرها ثلاثة عقود ليست من عون، بل من الآخرين، ومن أهل المكتسبات أنفسهم، وأنت الأدرى بحال بعض شيعتك وأنصارك.