- انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وضع حداً للفراغ الرئاسي الذي امتد لسنتين ونصف السنة تقريباً
- إقرار قانون جديد للانتخابات يعد بمنزلة الإنجاز الأبرز ليس في السنة الأولى بل في كل العهد
- عون نجح في إيجاد حلول لمشاكل مزمنة أبرزها سلسلة الرتب والرواتب التي لم يبتّ فيها منذ 20 عاماً
- ربح المعركة ضد الإرهاب مع تحرير الجرود اللبنانية على الحدود مع سورية واستئصال «داعش» و«النصرة»
لم يسبق في عهد من العهود الرئاسية أن كانت سنته الأولى منتجة وحافلة بالإنجازات كما الحال مع السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال عون، الى درجة أن ما تحقق خلال عام يكاد أن يعوض ركود وتقصير سنوات سابقة وما تراكم وتكدس فيها من ملفات وقضايا كانت في حكم المجمدة والعالقة. لكن صورة العهد بعد سنة ليست في حجم هذه الإنجازات.
ثمة فارق أو تفاوت بين ما تحقق خلال عام، وهو كثير، وما راكمه العهد من رصيد سياسي وشعبي، وهو قليل.. الواقع يفيد بأن نقاط القوة أكثر من الضعف، وعلامات النجاح أكثر من الفشل، لكن الصورة والانطباعات ليستا كذلك نتيجة ثغرات ومكامن خلل جعلت النظرة الى العهد والتعاطي معه يجريان كأنه في النهايات وليس في البدايات، وكأننا في بداية السنة الأخيرة وليس في نهاية السنة الأولى.. هذا ما توحيه «النظرات» وطريقة التعاطي، مع أن العهد لم يبدأ فعليا بعد كي يبدأ عده العكسي.
والبداية الفعلية تكون بعد الانتخابات النيابية التي ستغير هذه المرة في الوجوه والأحجام وفي نمط الحكم..
أولا: إنجازات العهد في السنة الأولى و«ما له»:
1- انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية في 31 اكتوبر وضع حدا لمرحلة وحالة الفراغ الرئاسي الذي امتد لسنتين ونصف السنة تقريبا.. وأعاد انتظام عمل الدولة والمؤسسات والمناسبات. عاد العرض العسكري في عيد الاستقلال، واحتفال تقليد السيوف للضباط المتخرجين. جرى ملء الشواغر في الإدارات وصدرت تعيينات وتشكيلات ومناقلات شاملة في القطاعات العسكرية والأمنية والديبلوماسية والقضائية كانت خاضعة لمعادلة التمديد أو التجميد بسبب انقسامات وتجاذبات سياسية.
2- تم إقرار قانون جديد للانتخابات يعد بمنزلة الإنجاز الأبرز، ليس في السنة الأولى وإنما في كل العهد. فلأول مرة بعد الطائف يكون قانون الانتخابات «صناعة لبنانية» 100%. ولأول مرة ينتقل لبنان من «العصر الأكثري» الى «العصر النسبي» وتلوح في الأفق إمكانية تغيير وبارقة إصلاح سياسي ويبقى أن التوصل الى قانون جديد هو إنجاز في حد ذاته بعد عدة محاولات وتجارب فاشلة جرت منذ العام 2005 وفرضت العودة الى قانون الـ 60.
3- إيجاد حلول لمشاكل مزمنة أبرزها سلسلة الرتب والرواتب التي لم يبت بها منذ 20عاما تقريبا، والموازنة العامة التي لم تقر منذ 12 عاما.
4- ربح المعركة ضد الإرهاب مع تحرير الجرود اللبنانية على الحدود مع سورية واستئصال تنظيمي «داعش» و«النصرة». لبنان كان الدولة العربية الأولى التي تنهي مشكلة «أمن الحدود»، والحدود اللبنانية السورية كانت الأولى من بين حدود سورية مع تركيا والعراق والأردن التي تعود الى وضع طبيعي. والجيش اللبناني أثبت أنه مؤهل لأن يكون شريكا وجزءا من تحالف دولي للجيوش ضد الإرهاب، وأنه قادر على النجاح في محاربة الإرهاب إن توافرت له الإمكانات والتغطية السياسية.
5- الرئيس عون أعاد الى رئاسة الجمهورية «الهيبة والمكانة». لم تعد متساوية بين رئاسات ثلاث، وإنما صارت متقدمة في الدور والحضور وفي السياسة كما في البروتوكول.. وأعطى في السنة الأولى وعبر الممارسة دليلا على أن رئاسة الجمهورية ما زالت فاعلة ومؤثرة.
وباختصار، فإن الرئيس عون نجح في سنة بإعطاء رئيس الجمهورية حقه وحجمه وبإضفاء دور المرجعية الوطنية والدستورية عليه كرأس للسلطات والمؤسسات والمؤتمن على الدستور والوحيد الذي يقسم عليه..
6- نجح الرئيس عون في «رد الاعتبار» الى الملف الاقتصادي الاجتماعي وتقديمه في ترتيب الأولويات ليصبح على رأسها بعدما كان في أسفلها.
والأمر لا يقتصر فقط على إقرار موازنة وسلسلة رتب ورواتب، وإنما يتعلق بمنحى عام وتوجه لدى العهد بإيلاء المسألة الاقتصادية، وكل ما يتصل بها أو يتفرع عنها الاهتمام.
7- حصل في السنة الأولى من عهد عون أن تحرك ملف النازحين السوريين بعد «سبات» استمر خمس سنوات.
وبغض النظر عن تأثير لبنان في هذا الملف منفردا وعن نتائج تحركه، يبقى أن هذا الملف يجري طرحه والتصدي له لأول مرة بجدية وشمولية بكل أبعاده وأعبائه الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، ويكون للبنان فيه زمام المبادرة الى تحديد ما يريده والى ممارسة شيء من الضغط المعنوي على المجتمع الدولي.
8- في السنة الأولى من العهد، حصل تصحيح في التوازن الوطني (السياسي الطائفي) على مستوى الدولة والحكم أخذ شكله الأوضح في حكومة متوازنة مع تمثيل مسيحي «نوعي» (وزارات سيادية وأساسية) و«كمي» (13 وزارة أي أكثر من الثلث المعطل)، في موازاة بوادر «نهضة سياسية» مسيحية.
ففي الترجمة العملية لمعادلة «الرئيس القوي»، حصل تغيير في المشهد والمعادلة مع بروز «اللاعب المسيحي» وجلوسه على طاولة القرار التي كانت ثنائية (سنية شيعية)، وأصبحت مثلثة الأضلاع بعدما كان يغلب على المسيحيين مظهر «التبعية» لهذا الفريق أو ذاك، مع «ثنائية» (عون جعجع) متنافسة ومتصادمة تحت سقف الاصطفاف بين 8 و14 آذار اللذين قادهما حزب الله والمستقبل.
9- هذا التصحيح في التوازن العام، صاحبه تغيير في المشهد السياسي وفي قواعد اللعبة السياسية داخل الحكم وخارجه.. ذلك أن وصول الرئيس عون الى قصر بعبدا كان بمنزلة إعلان عن نهاية حقبة الصراع السياسي على أساس فريقي 8 و14 آذار، وعن ولادة لاعب جديد ومحوري.
فالمعادلة الفعلية باتت «عون الحريري حزب الله»، وفي هذه المعادلة حزب الله هو «الأقوى على الأرض»، ولكن عون هو الأقوى في الحكم مع علاقة «تحالف» ثابتة مع الحزب وعلاقة «تعاون وتبادل» مثمرة ومستقرة مع الحريري، ومع دور «عامل التوازن» على مستوى قمة السلطة، ومع تحول بعبدا الى منطقة سياسية عازلة بين حارة حريك وبيت الوسط.
حزب الله مرتاح ومطمئن الى هذا الوضع الذي يديره «ثنائي منسجم»: رئيس جمهورية «حليف» ورئيس حكومة «صديق». ولكن الرئيس عون هو المستفيد الأول من هكذا وضع يشكل فيه حاجة للإثنين: حاجة استراتيجية لحزب الله لأنه يعطيه الغطاء الشرعي اللبناني والغطاء السياسي المسيحي، وحاجة واقعية للحريري الذي اقتنع بالتجربة والممارسة أن علاقته مع رئيس الجمهورية هي الأجدى والأهم، ومن دون تفاهم معه لا يمكن تحقيق أشياء كثيرة.
وهذا التغيير الذي تسببت به «رئاسة عون» كان على حساب أطراف ثلاثة: الرئيس نبيه بري الذي تراجع ولكنه مازال قويا بفعل قوة الاستمرار والخبرة ومادام هو في رئاسة المجلس ويحظى بدعم حزب الله ويمتلك «وزارة المال».. النائب وليد جنبلاط الذي فقد الدور الذي كان له في حقبة 8 و14 آذار كقوة مرجحة و«بيضة القبان» وانكفأ سياسيا الى الشوف والجبل مكتفيا بمعركة تحسين الشروط والحد من الخسائر.. ود.سمير جعجع الذي يدفع ثمن شهر العسل بين حليفه القديم سعد الحريري وحليفه الجديد ميشال عون، ولم يكن له ما أراده أو ما توقعه لجهة أن يكون شريكا في الحكم على قاعدة الثنائية المسيحية الجديدة التي أعلنها اتفاق معراب.. وهذا التغيير هو الذي يفسر كيف أن بري وجنبلاط يعملان جاهدين لاجتذاب الحريري وفك ارتباطه وتخفيف علاقته مع عون، وكيف يبحث جعجع عن تحالفات جديدة تعطيه أكثر مما يعطيها ويجدها ربما عند بري وجنبلاط وفرنجية، أو ربما عند ريفي والكتائب والمعارضة الجديدة..
ثانيا: ثغرات وإخفاقات العهد في السنة الأولى و«ما عليه»:
رغم كل هذه الإنجازات المحققة، ورغم كل هذا التغيير في ميزان القوى السياسي وهذا التقدم «الى الأمام» في الوضع العام، فإن الصورة الإيجابية مشوبة ب «سلبيات» والتفاؤل المبرر تقطعه مشاعر حذر وترقب وتذمر وعلامات عدم رضا وعدم ارتياح على المستوى الشعبي. وهذا الواقع من «عدم التطابق وعدم التناسب» بين ما تحقق وأنجز وما هي عليه صورة العهد، كنتيجة للتفاوت والفارق بين حملة شرسة مركزة ودفاع خجول مضعضع بما يمكن ملاحظته على عدة مستويات:
1- العهد المفترض أن عنوانه العريض هو «الإصلاح والتغيير» يواجه اتهاما وانطباعا بأنه لم يصلح ولم يغير شيئا، لا، بل يواجه تشويها للصورة واتهاما بأنه مثل غيره عهد فساد وفضائح وصفقات، وأنه يفتقر الى شفافية وصدقية كما الحال في ملفات الكهرباء والاتصالات.
2- الملفات التي تم إنجازها تعتريها نواقص، أو أنها لا تزال موضع خلافات ومشادات. فما من ملف طوي وطويت مشاكله وتفاصيله معه وأصبح مكتملا ونهائيا.. هذا ما ينطبق على قانون الانتخابات الذي تدور خلافات حول «آلية تنفيذه» وتحوم الشكوك حول قابليته للاستمرار سنوات ودورات.
وهذا ما ينطبق أيضا على قانون الموازنة الذي كلف خرقا للدستور في موضوع قطع الحساب لسلسلة الرتب والرواتب التي لم تقر إلا مرفقة بضرائب أصابت الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وأخذت باليد الثانية ما أعطته الدولة باليد الأولى.. وحتى التعيينات الديبلوماسية والقضائية، فإنها لم تسلم من انتقادات الخضوع للولاءات السياسية وتقاسم الحصص والمراكز..
3- الرئيس عون حليف حزب الله والحريري يواجه اتهامين من الشيعة والسنة: هناك قلق سني واتهامات بأن عون يكرس ثنائية شيعية ـ مسيحية، وأن البلد محكوم من ثنائية نصرالله ـ عون.. وفي المقابل، هناك توجس شيعي واتهامات بأن عون يعيد إحياء الثنائية السنية ـ المسيحية التي لم تعد تتناسب لا مع نظام الطائف ولا مع الواقع وميزان القوى على الأرض.
4- الرئيس عون المرتكز على قاعدة مسيحية راسخة وقوة ذاتية لأنه آت الى الرئاسة من زعامة وشعبية، يدخل السنة الثانية من عهده مفتقدا مرتكزات وقوى مسيحية حليفة وداعمة. في السباق الرئاسي انفصل عنه فرنجية، وبعد تشكيل الحكومة ابتعد عنه الجميل، وبعد سنة من تفاهم توقف سياسيا عند حدود الرئاسة والحكومة حصل شرخ وتصدع مع جعجع.
5- الرئيس عون الذي جاء الى الحكم بفعل تسوية سياسية كان من بنودها، أو هكذا يفترض، البقاء على مسافة من الصراعات والمحاور الإقليمية والتزام «لبنان الرسمي» بسياسة النأي بالنفس.
6- ثمة انتقادات واتهامات وشائعات تحاصر العهد في سنته الأولى وتنفذ من ثغرات يجري استغلالها على نطاق واسع، وهي:
- الطابع العائلي للحكم.. فلا يحكى فقط عن «حزب حاكم» هو التيار الوطني الحر وإنما أيضا عن «عائلة حاكمة» تتوزع فيما بينها المهام والأدوار، وتدور بينها صراعات نفوذ وسلطة.
- الدور الاستثنائي للوزير جبران باسيل الذي يتجاوز نطاق وحدود موقعه الرسمي كوزير للخارجية وموقعه السياسي كرئيس للتيار الوطني الحر. ثمة استهداف مركز للوزير باسيل من خلفية أنه «رئيس الظل» الذي يدير ويتولى مختلف الملفات ويطمح ويخطط لوراثة الرئيس عون في رئاسة الجمهورية كما ورثه في رئاسة التيار.
وهذه الحملة يعمل أصحابها على الفصل بين باسيل وعون ولكنهم في الواقع يصيبون العهد بسهامهم عن قصد أو غير قصد. فإذا كان استهداف الرئيس عون بشكل مباشر ومكشوف أمرا غير ممكن وغير مستحب، فإن البديل هو استهداف رمزه ورجله الأول الوزير باسيل.
- الوضع الصحي للرئيس عون الذي يجري تصويره على أنه وضع دقيق وخطير، والإيحاء بأن حكمه مؤقت وغير مستقر لهذا السبب.. وأنه لمن المستغرب و«المستهجن» سياسيا وأخلاقيا أن يفتح ملف انتخاب رئيس الجمهورية المقبل من السنة الأولى للعهد كما لو أنها السنة الأخيرة، وأن تبنى سيناريوهات رئاسية بناء على فرضيات وتخمينات تتعلق بالوضع الصحي للرئيس عون وحصول «طارئ رباني»، وما الى ذلك.
الرئيس ميشال عون أنهى عامه الأول مع «إنجازات» ويدخل عامه الثاني مع «تحديات». كل الدلائل والمؤشرات تدل على أن عام 2018 سيكون عاما صعبا حافلا بالمفاجآت ومثقلا بالمشاكل والأزمات، وسيكون من الصعب على لبنان أن يحافظ على ما يتحلى به من «استقرار وتوازن» نتيجة احتدام الصراعات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط مع الدخول في مرحلة «نهاية الحروب وبداية التسويات»، ونتيجة تجدد الصراع الداخلي في سنة الانتخابات المفصلية و«المسيسة»..
سيكون عهد الرئيس عون في العام الثاني أمام «تحديات اختبارات» أولويات خمس هي:
1- إجراء الانتخابات النيابية في موعدها وعدم الوقوع في فخ تأجيل جديد مازال واردا في ظل الخلاف الحاصل على تطبيق قانون الانتخابات وآلياته.
2- إحراز تقدم ملموس في عملية الإصلاح ومكافحة الفساد التي صارت أولوية ملحة مثلما صارت شعارا وعنوانا للعهد، وهي التي تحدد نجاحه أو فشله.
3- إيجاد حلول عاجلة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وإعلان حال طوارئ اقتصادية لأن الاقتصاد بات خطرا داهما ومتقدما على الأمن والسياسة، وذلك بسبب تضافر عاملي التوترات الداخلية والضغوط والعقوبات الخارجية.
4- تحقيق خرق عملي في ملف النازحين على صعيد إطلاق عملية إعادتهم الى مناطق آمنة والبدء بوقف تدحرج هذه القنبلة الموقوتة حتى لا تصل الى انفجار وأزمة كبيرة.
5- تعطيل لغم الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتي تتحرك تحت عنوان ضرب حزب الله وشل قدراته الهجومية. فهذه الحرب التي تحضر لها إسرائيل جيدا وتتوافر لها ظروف أميركية وخليجية ملائمة، باتت خطرا موجودا واحتمالا ممكنا وواردا إذا حصل خطأ في التقدير والتصرف من أي طرف.