- غياب البطريرك الراعي عن لقاء الرئيس الألماني في دار الفتوى يهزّ صورة العلاقات التآلفية بين المرجعيات الدينية
بيروت ـ عمر حبنجر - داود رمال
البيان الاحتوائي الصادر عن رئاسة الجمهورية حول كلام الوزير جبران باسيل والردود الشارعية من قبل حركة امل ومناصري رئيس مجلس النواب لم يلق الصدى المطلوب في عين التينة، حيث كان الجواب لا تعليق، مع المزيد من إغلاق الطرق بإطارات المطاط المشتعلة في مناطق الاحتكاك الجغرافي مع جمهور التيار الوطني الحر.
وقالت قناة «ان.بي.ان» الناطقة بلسان حركة امل ان «الشتّام الصغير» مُطالب بالاعتذار والاستقالة، لأن ما اقترفه مدلل الرئيس ووزيره الاول كشف المستور وشكل اهانة ليس للرئيس نبيه بري وحسب بل للعهد ولرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب والوزراء والدولة كلها، فذلك اللئيم المتأصل في اللؤم والكذب والممارس للرذيلة السياسية والطائفية يكابر في الاعتذار وكأنه لم يفعل شيئا.
في المقابل، لم تكن تعليقات القناة البرتقالية اقل حدة، حتى انها تجاوزت بيان المسامحة المتبادلة الذي صدر عن رئاسة الجمهورية عندما توجهت الى «البطل الذي حرر القدس من سن الفيل» برسالة: قبلك وقبل 12 عاما، جاءت مجموعة اخرى مثلك ومثل زمرتك، كانوا مضللين مثلك موتورين مثلك، حاقدين مخربين رعاعا مثلك، جاءوا الى قلب بيروت بحجة الغضب ايضا، على تطاول آخر على الذات الإلهية، وحولوا غضبهم المزعوم تحطيما للاملاك العامة واستباحة لسلام الوطن.
المصادر المتابعة تستبعد، في ظل استمرار الخطاب السياسي الحانق والموتور بين منابر بعبدا وعين التينة، عودة الوئام الى ما بين من ابتلاهم الخصام منذ الانتخابات الرئاسية، استمر كالمرض الخبيث يضرب جنبات الحياة السياسية اللبنانية الباحثة عن الاستقرار المستدام وسط العوالق الإقليمية المزلزلة.
واكدت المصادر لـ «الأنباء» ان ما يجري هو «حرب سلطات»، وان بري أمهل من يعنيهم الأمر أسبوعا لإعلان اعتذار الوزير باسيل، وإلا فإن وزراء حركة امل الثلاثة لن يشاركوا في جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل، وربما تضامن معهم وزراء حزب الله مع تعطيل مجلس النواب، ما يقود الى شلّ العهد، ومعه الحكومة، ويضع الانتخابات في خبر كان، ونقلت المصادر عن بري قوله للنواب امس «انا نبيه بري، لا أقبل المسّ بالدستور».
وقد خفت حركة اقفال الشوارع أمس، واستبدل «الأمليون» حرق الاطارات بالتجول الجماعي على الدراجات النارية التي انطلقت أول من أمس باتجاه طريق المطار بغرض قطعها امام الوزير جبران باسيل المغادر الى ساحل العاج مصرا على عقد مؤتمر الطاقة الاغترابية هناك، لكن باسيل لم يذهب الى المطار، وقد طلب الرئيس ميشال عون الى الجيش وقوى الامن تحمل مسؤولية حماية الطرق العامة، اشارة الى انتهاء فترة السماح للغاضبين بـ «فش خلقهم».
وفي موقف جديد، أبلغ رئيس الجمهورية وفد الرابطة المارونية امس انه لا يمكنه أن يتغاضى عن المخالفات القانونية التي تحصل، لافتا الى أن من يعرقل مسيرة الإصلاح لا يريد الخير للبنان واللبنانيين، كما لا يريد بناء دولة القانون والمؤسسات.
وقال: «إذا تخلى الحاكم عن الدستور والقوانين فماذا سيكون البديل لاتخاذ القرارات وإدارة شؤون البلاد؟».
وشدد عون على أن الشارع لم يكن يوما مكانا لحل الخلافات السياسية، بل المكان الطبيعي هو المؤسسات الدستورية لأن اللجوء الى الشارع يؤذي الاستقرار الذي ينعم به لبنان وسط جواره المتفجر، لافتا الى أن ما حصل في اليومين الماضيين يجب ألا يتكرر.
والراهن ان تضارب الحسابات واختلاف التوجهات والارتباطات والاهداف والتطلعات الشعبوية تجعل من المطالب بالاعتذار ملتزما بحدود الاسف، ومن يصر على الاعتذار غير مكتف بالأسف المجرد، ودون الالتفات الى الانعكاسات على الشأن العام، فقد جرى تعطيل اللجان النيابية المشتركة، واليوم الخميس لا جلسة لمجلس الوزراء مع وجود رئيس الحكومة سعد الحريري في تركيا، علما انه مأخوذ عليه بعده عن هذا الموضوع.
وأخطر الانعكاسات المتصلة بأصل الازمة المشتعلة منذ اندلاع شرارة مرسوم الاقدمية لبعض ضباط الجيش ما حصل على صعيد العلاقة بين رؤساء الطوائف في لبنان بمناسبة زيارة الرئيس الالماني فرانك فالترشتاينماير الى بيروت التي انتهت امس، فقد ضمَّن الرئيس الالماني برنامج زيارته المكثف لقاء مع رؤساء الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية في دار الفتوى، واذا كانت المفاجأة غير المتوقعة ـ وفق مصدر في لجنة الحوار الاسلامي ـ المسيحي لـ «الأنباء» ـ اعتذار البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي عن عدم الحضور شخصيا، معتبرا ان مثل هذا اللقاء يجب ـ من وجهة نظره ـ عقده في مقر البطريركية المارونية في بكركي!
اوساط دار الفتوى استغربت الامر، واتصل المفتي الشيخ عبداللطيف دريان بالبطريرك الراعي موجها له الدعوة شفويا، ثم بواسطة بطاقة رسمية، وكرر الدعوة عندما التقيا في مؤتمر القدس بجامعة الأزهر بالقاهرة، وكان جوابه: اذا لم اكن مسافرا أحضر، لكنه لم يسافر ولم يحضر! ومثله فعل البطاركة الآخرون، علما انه سبق لدريان وقبلان وشيخ عقل الموحدين الدروز ان لبوا دعوة الراعي الى قمة روحية عقدت في بكركي يوم 14 ديسمبر الماضي.
وبالتزامن، ودون ارتباط، قرر رئيس مجلس النواب نبيه بري عدم المشاركة في القداس السنوي لعيد مار مارون الذي يرأسه البطريرك الراعي شخصيا ويحضره رئيسا الجمهورية والحكومة في 9 فبراير الجاري لاسباب وصفت بالامنية.