بيروت - جويل رياشي
على مدخل شارع متفرع من اوتوستراد بيروت - جونية من جهة المسرب الغربي للعاصمة، لا يحتاج قاصد مقهى «أغونيست» إلى الأسئلة والاستفسار أو حتى الى تطبيق «خرائط غوغل» ليستدل الى المقهى الذي افتتح قبل شهرين، ويعمل فيه شبان وشابات من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين باتوا يعرفون في لبنان
بـ «أصحاب الإرادة الصلبة».
إقبال منقطع النظير على المقهى غير الفسيح، وتفتيش عن أماكن لركن السيارات.
وعلى المدخل يستقبلك سيرج بابتسامة عريضة مرحبا، فيما يشير إيلي بثقة الى توافر مكان على رغم حشد الزبائن في الداخل، وطاولة كبيرة لزملاء في جمعية تعتني بأحد الرفاق.
وسيم الحاج ابن بلدة المتين المتنية هو صاحب الفكرة ومالك المقهى «الذي افتتح منذ شهرين بالتمام».
ويختصر المشهد قائلا «هكذا الحال في أيام العطلة الأسبوعية، ويوميا في فترة العصر».
ويتابع تصريحه لـ «الأنباء» وقد اعتاد على الإطلالات الإعلامية من دون تقديمها على ضبط سير العمل ومتابعة شؤون الزبائن وطلباتهم. ويقول «12 موظفا رسميا، بينهم ثمانية الى تسعة يتناوبون على العمل يوميا، مع تشديدنا على إلزامهم بأخذ إجازات أسبوعية، إلى فترات استراحة يومية».
ويسهب في الحديث عن فرح التي تعمل على الصندوق وتصر على تقديم دوام كامل يوميا من ساعة افتتاح المقهى في السابعة والنصف صباحا حتى منتصف الليل.
في حين ان الآخرين يقدمون ساعات خدمة تتراوح بين ثلاث وثماني، وينالون بموجبها رواتب مماثلة للتي تدفع للعاملين في القطاع الخاص.
لا يخفي وسيم المعالج الحركي، ان المقهى أخذ كل وقته، وأبعده عن عمله الأساسي، «وقد حولت مرضاي الى أحد زملائي، وأكتفي فقط بإعطاء دروس في الجامعة اللبنانية في الفنار وفي مستشفى عين وزين في الشوف».
الفكرة راودت وسيم منذ ثلاثة أعوام، الا انه عدل كثيرا في مخططه، ليتمكن من الحصول على قرض مصرفي بعد استيفاء الشروط غير السهلة، ما استدعى خفض النفقات ونقل مكان اقامة المقهى من قلب العاصمة الى الزلقا التي تشهد إقبالا بدورها، لكن كلفة الإيجارات فيها أقل.
اليوم، وبعد شهرين، يعترف وسيم ان العروض تنهال عليه لتأسيس فروع أخرى، من طريق الشراكة ومنح امتياز استعمال الاسم.
لكنه يتريث بغية الوقوف على ما قد يصل اليه المشروع بعد فترة لا تقل عن ستة أشهر.
ويقول وسيم ان المردود المادي عوض له الغياب عن عمله. ويتحدث بثقة عن الآتي القريب.
ويعود الى الفكرة، «التي ولدت في داخلي جراء متابعتي لأفكار مماثلة معتمدة في الخارج.
ورأيت انه حان الوقت لمنح هؤلاء الأشخاص فرصتهم في نيل عمل شرعي بعيدا من الشفقة، لذا أصر على تقديم النوعية التي يمكن ان ينالها رواد المقهى على ما عداها. من هنا، استقدمنا أجود أنواع القهوة والحلوى والعصير الطبيعي والسندويشات السريعة.
واعتمدنا لائحة أسعار تضمن لنا ربحا، من دون إرهاق جيوب الزبائن.
وأصررت على التعامل مباشرة مع شبان وصبايا لم أكن أعرفهم سابقا، مشترطا على أهاليهم تأمين خدمة إيصالهم الى المقهى، علما ان البعض يأتي من أماكن غير قريبة.
ورفضت عرضا من إحدى الجمعيات التي أرادت لعب دور الوصاية على العمال».
ويتابع شارحا سير العمل: «وضعنا إشارات ملونة على الطاولات وخصصنا خانات أمام لائحة الطعام والعصائر والقهوة، ذلك ان غالبية العاملين لا يتقنون القراءة والكتابة، لكنهم يستطيعون تمييز الألوان.
لدينا وفرة من المتطوعين، واحتاج قسما كبيرا منهم في المطبخ للجلي. فيما يعاونني شقيقي والمرشدة الاجتماعية البلجيكية جولي».
يهتم وسيم بكل التفاصيل، ومنها تكرار الإرشادات الى العمال، ووضع أسمائهم على ثيابهم ومساعدتهم في حل أي معضلة يواجهونها.
المقهى يعج بالزبائن، وغالبيتهم باتوا على علاقة مع العمال.
أما الرواد فيتوزعون بين نساء ينتمين الى جمعيات قبل الظهر، ومؤسسات تعنى بالأعمال الخيرية، الى شبان وصبايا في فترتي العصر والمساء، ودراجون يقصدونه يومي السبت والأحد.
يتحدث وسيم بثقة «عن تأسيسنا مؤسسة تبغي الربح»، مفندا ما دفعه الى الابتعاد عن تأسيس جمعية تنال المساعدات.
الناس وجدوا ضالتهم في التواصل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وليس العكس.
والحديث يتم بفخر عن الظفر بكرسي في المقهى الذي يحمل اسم حركة علاجية فيزيائية يتعلمها ذوو الاحتياجات، وتعتمد على التعاون بين عضلة قوية في الجسم وأخرى ضعيفة (اغونيست).
ما تحقق حتى الآن يبشر بالكثير في المستقبل القريب. والثابت ان الفكرة أقلعت بقوة في لبنان، وهي الى اتساع وتمدد.