بيروت ـ أحمد عزالدين
الذكرى الخامسة لاغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري الاحد المقبل ليست كنظيراتها من الاحتفالات في السنوات الماضية، لأنها تحمل عدة عناوين مضافة، والتجمع المعتاد في وسط بيروت حمال اوجه كونه يأتي بعد عدة تطورات لا يمكن تجاوزها، فنجل الرئيس الشهيد وصاحب الحق الاول اصبح رئيسا للحكومة وقطع شوطا في هدم الجدران التي رفعتها عملية الاغتيال محليا واقليميا، والزعيم الآخر الذي مثل نقطة ارتكاز لا يستهان بها النائب وليد جنبلاط قد خرج من هذا المحور وافقده الكثير من محوريته، والقوى المسيحية المنضوية تحت لواء 14 آذار او ما كان يسمى سابقا بقرنة شهوان تعيش صراعات وتناقضات تحاول الصمود في وجه الخصم العنيد العماد ميشال عون المدعوم من اكثر من جهة، وهو يعمل على قضم هذه المواقع من الاكثرية الواحد تلو الآخر، ويواصل الهجوم حتى ولو احيانا على حساب حلفائه كما يحصل مع رئيس المجلس نبيه بري.
ولا شك ان اللون السياسي يفرض نفسه على هذه المناسبة الوطنية الجليلة، ويطرح تساؤلات حول تموضع اقطابها والتداعيات التي ستتركها على الاكثرية بدائرتها الفضفاضة والغارقة في تناقضاتها رغم وحدة البيان المعلن، في وقت سعت المعارضة او قوى 8 آذار عن قصد او عن غير قصد من خلال سعيها لتوسيع دائرة المشاركة بشروط لتوسيع الشرخ بين قوى الاكثرية، مما يحرج الكثير من رموزها على الاقل بطرح صيغة مخففة لنبرة الخطاب والمشاركين في المناسبة.
وقد يكون الامتحان الاول هو حجم الحشد الشعبي المشارك اذا سمحت الاحوال الجوية بعدما اصبح السقف المليوني ولو بالشكل هو الحد الادنى للنجاح في القاموس السائد للاحتفالات المفصلية اللبنانية، والسؤال: هل ستتمكن هذه القوى ان تؤمن الحشد المطلوب اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الزعيم الدرزي جنبلاط ان شارك فهو لن يحشد محازبيه بالامر او بـ «المونة» كما في المرات السابقة؟ فيما تعاني القوى المسيحية من تداعيات الانتخابات الاخيرة ومن ثم تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب من حصتها.
ويبقى العبء على رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يستطيع ان يحشد ان من العاصمة او الاطراف، لكنه يبقى بحاجة الى تلوين الساحة بالالوان المختلفة لقوى 14 آذار والنسيج اللبناني.
وابتعاد جنبلاط الحاسم عن اللقاء التحضيري للمناسبة هو وكتلته باستثناء النائب مروان حمادة ـ الذي حضر لاسباب شخصية وعاطفية ـ وتموضعه الجديد بعد المصالحات الاخيرة يثير الهواجس، وان كانت المصالحة مع حزب الله لا تقلق جميع حلفائه السابقين، لكن المصالحة مع عون اكثر وقعا ودفعت البعض لقراءة حساباته من جديد، وحركت المخاوف من صعود زعيم التيار الوطني الحر الى الجبل، وجاء التعبير عن القلق بنصيحة رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون بقوله ان فتح الجبل امام عون كمن يأتي بـ «الدب الى كرمه»، كما ان هذا الانفتاح العوني على الجبل يقلق بعض حلفاء جنبلاط المسيحيين، خصوصا اولئك الذين يضع عون عليهم «ڤيتو» امثال فؤاد السعد النائب في كتلة جنبلاط، وفي الوقت نفسه فإن عون بدا الحافظ للايقاع الوطني عندما اضطر حلفاؤه لسحب مشروع الغاء الطائفية السياسية من التداول لتجنب احراجه والحفاظ على «شعرة معاوية» بينه وبين بري.
من جانبه الحريري فإنه فصل بين خطوط السياسة وجريمة اغتيال والده، واعلن انه لا تنازل عن دماء الشهداء وصاحب الحق سلطان كما يقول الشرع الحنيف «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا»، وتاليا التمسك بما تقره المحكمة الدولية وفي الوقت نفسه التحرك سياسيا في كل الاتجاهات بعدما اصبح رئيسا للحكومة ومتحدثا باسم الشعب اللبناني كله في اتصالاته الاقليمية والدولية وليس كرئيس لاكثرية نيابية وسياسية، وقد يكون هذا الامر ازعج البعض من حلفائه الذين بنوا على هذا التحالف واستفادوا منه ومنهم من بدأ يشعر بسحب البساط من تحت قدميه، وانه يشعر بـ «تراجع حرارة الحريري نحوه» كما يقول النائب الكتائبي سامي الجميل في الوقت الذي انتقد فيه بعض المعارضة المشاركة في الاجتماع الموسع لقوى 14 آذار.
من جانبها المعارضة فقد اقتحمت مناسبة 14 فبراير بالاعلان عن الاستعداد للمشاركة في الاحتفال من بوابة «بيت الوسط» الذي طرقه بري، حيث اقيم له عشاء تكريمي اعقبه استعداد للمشاركة في ذكرى الحريري اذا خرجت الخطب عن السقف السابق، ويرى فيها كثيرون انها ستشكل مدخلا لاخراج المناسبة الوطنية من الدائرة الحزبية الاحادية، فيما فسرها عكس ذلك ومنهم النائب القواتي انطوان زهرا الذي رفض اي خطاب مغاير لدى 14 آذار او تخفيف نبرة الخطاب، وقد وافقه في ذلك بعض صقور تيار المستقبل امثال النائب احمد فتفت، لكن طرح بري لن يمر مرور الكرام على الاكثرية وكذلك فعل النائب الشمالي سليمان فرنجية الذي ابدى الاستعداد للمشاركة اذا لم تتحول مناسبة للاستثمار السياسي، الامر الذي يطرح السؤال الكبير داخل الاكثرية ومدى قدرتها على الحفاظ على خطاب موحد ومتصلب.