عندما انفجر الغضب الشعبي في الشارع وجد رئيس الحكومة سعد الحريري نفسه أمام 3 خيارات:
٭ إما استقالة فورية والتجاوب التلقائي مع خطاب الشارع ومزاجه.
٭ إما إحداث صدمة فورية محدودة تقضي بإقالة وزير الاتصالات محمد شقير الذي حمل مسؤولية إطلاق شرارة الأزمة (ضريبة «الواتساب»).
٭ إما الرجوع خطوة الى الوراء وطلب مهلة لوضع كل القوى أمام مسؤولياتها وإيجاد مخارج للأزمة.
بدا من اللحظة الأولى أن الحريري لا يفكر في الاستقالة، وأن هذا آخر ما يريده، لأن خروجه من السلطة يعرضه الى خسائر كثيرة، سواء على مستوى مستقبله السياسي وعلى مستوى التطورات الإقليمية التي دخلت جديا في مرحلة إنجاز التسويات للأزمات القائمة، والمسألة باتت مسألة وقت، والحريري يتطلع الى ملاقاة هذه التطورات والاستفادة منها.
وبدا واضحا أن مهلة الـ 72 ساعة التي حددها الحريري لن تنتهي بإعلانه الاستقالة من رئاسة الحكومة، وإنما سيحاول في هذه المهلة انتزاع تنازلات من الوزير جبران باسيل في إطار الإصلاحات والضرائب التي يريد فرضها أو زيادتها، وانتزاع موقف مرن من حزب الله من بنود إصلاحية ضريبية، إضافة الى إفهام د.سمير جعجع ووليد جنبلاط اللذين يدعوانه الى الاستقالة أنه لن يأبه لهما في حال قررا الخروج من الحكومة.
انتهت المهلة بجلسة لمجلس الوزراء في قصر بعبدا، خرج بعدها الحريري ليتلو ورقة إصلاحات جريئة ومتقدمة، ولتبدو على وجهه ملامح ارتياح وثقة بالنفس وقدرة على استيعاب الحركة الشعبية في الشارع.
لم ير الحريري في هذه الحركة نهاية لحكومته وإنما بداية نهاية للنظام الطائفي.
لم يتعامل مع الغضب الشعبي على أنه تهديد لوضعه وإنما فرصة لتحسين وضعه، ولم ينظر الى الانتفاضة ضد الحكومة إلا بوصفها فرصة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سابقا، وهو ما عبر عنه عندما قال «تحرككم بكل صراحة هو ما أوصل للقرارات التي صدرت اليوم».
وذهب الى أكثر من ذلك بأن اعتبر أن مطالب الناس هي مطالبه منذ سنتين، وأن ورقة الإصلاحات حققت ما كان يطالب به.. متفهما بقاء الناس في الشارع وعدم ثقتهم بالحكومة.
تصرف الحريري على أساس أنه فعل ما عليه. لعب ورقته الإصلاحية ورماها في وجه الجميع واضعا الكرة في ملعب الحراك الشعبي والمتظاهرين.
ولكن ردة فعل الشارع جاءت فورية في رفض هذه الورقة وتجاوزها وكأنها لم تكن.. في الواقع، ارتفعت أصوات في ساحات التظاهر، التي تفتقد قيادة ومن يتحدث ويفاوض باسمها، تدعو الى اعتبار ما تحقق تحت ضغط الشارع أمرا جيدا، والى إعطاء الحكومة مهلة حتى آخر العام هي المهلة التي حددتها لتنفيذ ما وعدت به، وبالتالي انتقال المعارضة من الشارع الى ضفة المراقبة والانتظار.. ولكن «تصويت الشارع» جاء في معظمه ضد الحكومة وخطتها.
وبدا أن هناك أزمة ثقة عميقة عند الناس بالحكومة ومجمل الطبقة السياسية الحاكمة، الى درجة أنها لم تعد تثق بوعودها ولا بقدرتها على التنفيذ، ولا ان يأتي الحل على يد من هم المشكلة في حد ذاتهم.
لذلك لم يكن دخولا في تفاصيل ومقترحات الورقة وإنما رفض لها جملة وتفصيلا والدعوة الى البقاء في الشارع لإفهام الحريري أن عرضه مرفوض ودفعه الى خطوة الاستقالة التي تفاداها لأيام، وسيجد نفسه مجددا أمامها عاجلا أو آجلا.. ليس هناك فقط أزمة ثقة من جانب واحد، وإنما هناك تفاوت كبير في تقدير الأزمة.
السلطة تجد أنها أعطت أفضل وأقصى ما تستطيع، وأنه جيد وكاف للخروج من الشارع ولاستيعاب الأزمة.. والشارع يرى أن المطلوب ليس إصلاحات ولا مغادرة الشارع، وإنما مغادرة السلطة لإعادة إنتاج سلطة جديدة قادرة ويؤتمن لها.
وبالتالي، فإن الوضع سائر الى مزيد من التعقيد في مواجهة مفتوحة ومعركة «لي أذرع» و«من يقول آخ أولا».. السلطة تراهن على تفكيك التظاهرات عبر إجراءين: رزمة إصلاحات وفتح الطرقات (مع بقاء التظاهرات في الساحات).. والمعارضة الشعبية تراهن على مزيد من التنازلات والمكاسب لمصلحتها، بعدما ثبت أن التظاهرات أثمرت بعد أيام تراجعا من السلطة التي لا تتنازل إلا تحت الضغط.. وبين السلطة والشعب تتجه الأنظار الى الجيش اللبناني الخاضع لقرار السلطة السياسية من جهة، والملتزم دوره في حماية الناس والمتظاهرين من جهة ثانية.. هذه «الحماية» التي مارسها ليل أمس الاول عندما اقتربت «تظاهرة دراجات نارية» من مكان الاعتصام في بيروت وتصدى لها الجيش حتى لا تحصل احتكاكات وصدامات في ساحة الشهداء.. هذه التظاهرة رفعت أعلام «أمل» وحزب الله، ولكن الطرفين تنصلا منها وأظهرا تأييدا وتفهما للجيش الذي بعث برسالة واضحة تقف عند حدود حماية المتظاهرين ولا تصل الى تلبية مطلبهم في تسلم الجيش زمام الأمور وإدارة مرحلة انتقالية.