علي رباح
أول ما تبادر الى أذهاننا يوم خطا رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري خطوته «الكبيرة» باتجاه دمشق، خطاب عمته النائب بهية الحريري في 14 مارس 2005 عندما وقفت امام مئات الآلاف من اللبنانيين وقالت «لن نقول وداعا سورية بل الى اللقاء».
يومها اختلفت القراءات في الشارع حول خطاب صاحبة المناسبة والمعني الاول من التجمع الجماهيري الضخم، فهناك من استنكر وثار لكلامها، وهناك من رأى فيه ضمانا «لخط الرجعة» وعين العقل والصواب، معللا موقفه بالتأكيد ان الصراع مع سورية سياسي آني وليس تاريخيا ولن يكون مستقبليا، «وبالتالي حسنا فعلت «الست» بهية عندما أطلقت هذه الوثيقة السياسية، ووضعت عنوانا عريضا لمستقبل العمل العربي المشترك».
واليوم وبعد ان نصب سعد الحريري أمينا على رسالة ونهج ومنصب الشهيد رفيق الحريري، تتجه الأنظار الى 14 فبراير الذكرى الخامسة لاستشهاده، وخطاب الحريري الابن خاصة انه الاول بعد تسلمه رئاسة حكومة «كل لبنان» وزيارته «التاريخية» الى دمشق وفتح صفحة جديدة من العلاقات العربية والاقليمية.
مما لا شك فيه ان الرئيس سعد الحريري يواجه الامتحان «الجماهيري» الأصعب منذ 5 سنوات، فإخفاقات فريق الأكثرية بعد فوزها بالانتخابات النيابية الاخيرة وخروج رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط من صفوفها والشوائب «الكثيرة» التي شابت عملية تأليف الحكومة والخطاب السياسي الجديد الذي اطلق في الشارع دون اي مقدمات، سيكون لها تأثير كبير على حماسة هذا الجمهور ومدى استعداده لتجديد البيعة لقيادات هذا الفريق. ولكن من الواضح ان الرئيس الحريري سيجتاز هذه المنعطفات بسهولة وذلك لأسباب عدة:
> العمل الدؤوب داخل تيار المستقبل لإحياء قضيته من جديد حتى لو تغيرت العناوين والمفاهيم، فهذا الجمهور المحبط نوعا ما سيعمل بهذه المناسبة على لملمة ما خسره قبل وبعد الانتخابات النيابية.
> ان جمهور تيار المستقبل يضع نفسه أمام منافسة «سياسية رياضية» مع النائب وليد جنبلاط ما من شأنه حشد جماهيري «سني» ضخم لإثبات لزعيم المختارة ان الأكثرية اكثرية «به ومن دونه».
> تقبل جمهور المستقبل الخطاب الجديد للرئيس سعد الحريري ولو على مضض اذ ان الكثير من قيادات هذا التيار على قناعة بان سورية هي بوابة لبنان الجغرافية الوحيدة الى الوطن العربي ولابد للعلاقات ان تعود الى مسارها الطبيعي ضمن المؤسسات الدستورية والاحترام المتبادل.
اما على صعيد مسيحيي 14 آذار، فلم يعد خفيا على احد ان رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية د.سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب امين الجميل والعديد من القيادات، يحاربون بكل ما اوتوا من زعامة لحصد اكبر مشاركة مسيحية في الذكرى بهدف التأكيد على ان 14 آذار مازالت حية ومتماسكة وكل الكلام الذي صدر من هنا وهناك في الآونة الاخيرة عكس ذلك عار عن الصحة.
بالاضافة الى سعي القوات اللبنانية لمواجهة محاولات عزل زعيمها د.سمير جعجع، وهو الذي دفع الرئيس سعد الحريري للتشديد خلال اجتماع البريستول الاخير على انه «لن يتخلى عن اي طرف وقف الى جانبه، ولن يتخلى عن 14 آذار وقياداتها، ووحده الموت يفرقه عنها».
ناهيك عن التباين الشديد بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي اعلن في 2 اغسطس الماضي ان 14 آذار كان «تحالف الضرورة» ويجب ان ينتهي، وسمير جعجع الذي يسعى جاهدا لاثبات العكس وان قرار هذه القوى وتحالفها وتشتتها ليس بيد زعيم المختارة.
> وعلى صعيد المشاركة الدرزية فقد علمت «الأنباء» من مصادر مطلعة ان النائب وليد جنبلاط الذي سيحضر المهرجان على رأس وفد كبير من مشايخ الطائفة وفعاليات سياسية واجتماعية دون إلقاء كلمة، أعطى الحرية لمناصريه في المشاركة دون الدعوة رسميا. ولفتت المصادر الى ان كلاما يدور داخل الطائفة الدرزية على ضرورة الفصل بين ما هو اشتراكي وما هو جنبلاطي وعلى ضرورة حضور ذكرى الحريري لما لها من معان وطنية.
مما لا شك فيه ان الحشد الجماهيري في ذكرى الحريري لهذا العام سيكون كالسنوات الماضية ولكن الأنظار تتجه الى طبيعة ومضمون الكلمات السياسية وبخاصة خطاب الرئيس سعد الحريري.
فبعد إقصاء جنبلاط عن التحدث بالمناسبة خشية من استثمار منبر 14 فبراير للاعتذار العلني من سورية، وهو ما لن يتقبله الجمهور، وبعد ان علم ان الحريري وافق ان يلقي د.سمير جعجع كلمة بالمناسبة على ان يعرف مضمونها مسبقا كي لا تكون مناسبة لمهاجمة سورية، وهو ما لن يتقبله «المستقبل»، سيحاول الحريري الابن جاهدا لجعل من ذكرى استشهاد الوالد منبرا وطنيا واضحا وصريحا لاستعادة التوازن السياسي الذي انتجه الرئيس رفيق الحريري بعد «الطائف» حيث استطاع بحنكته السياسية وبعد نظره الى الموازنة بين دعمه للمقاومة والإنماء والاقتصاد، وعمل على افضل العلاقات العربية والدولية.
وها قد حان الوقت ليقتنص سعد الحريري فرصته «الذهبية» ليبرهن للجميع انه قادر على إعادة التوازن الى الداخل اللبناني محصنا بدعم خارجي تجلى في الحفاوة التي لقيها خلال زياراته لكل من سورية وتركيا وفرنسا ومصر، ويؤمل ان يكون ما سيقال غدا في ساحة الشهداء حجر الأساس لمرحلة يستلهم فيها الحريري الابن ارث والده الوطني والإقليمي والدولي الجامع.
وايا كان مضمون الخطاب ونتائجه لاحقا فمما لا شك فيه اننا خسرنا رجلا قلّ في زمانه الرجال.
لن نقول وداعا يا دولة الرئيس الشهيد بل الى اللقاء مع دولة الرئيس سعد الحريري.