قبل أيام عقد لقاء مفتوح في دار الفتوى ظاهره وعنوانه «اجتماعي إنساني» وهدفه جمع التبرعات دعما للأسر المحتاجة، أما عمقه ومناخه فكان سياسيا وخيمت عليه أجواء الخلاف المتفاقم بين القيادات السنية ورئيس الحكومة حسان دياب الذاهب الى مواجهة مفتوحة مع حاكم مصرف لبنان بتنسيق مع رئيس الجمهورية ودعم من حزب الله.
على هامش هذا اللقاء، تحدث الرئيس فؤاد السنيورة عن ضرورة إعادة الاعتبار الى الدستور واتفاق الطائف، والى دور الدولة وصلاحياتها وسلطتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية، وإخضاع الجميع الى المحاسبة والمساءلة عبر المؤسسات الدستورية والطرق المؤسساتية، وليس عبر «الوسائل الشعبوية وأيضا التهييج».
الرئيس تمام سلام تحدث عن انهيارات بدأت بسبب الخروج على الدستور ومخالفة كل الأعراف، وانتهاج سياسة بث الأحقاد والتعبئة.
النائب نهاد المشنوق كان أكثر وضوحا وصراحة، وتحدث عن مؤامرة على السنية السياسية وأهل السنة، داعيا الى تشكيل جبهة مقاومة «ونحن قادرون على المواجهة والقيام بكل شيء يعيد الأمور الى نصابها، «نحن قدها وقدود»، وما حدا بيطلعلوا لا هو (دياب) ولا معلمو الصغير (باسيل) يفوت علينا بهذه الطريقة العمياء على قيادة طريقة السيارة الى الخلف، ومن الطبيعي أن يفوت بالحيط، وليخرج من المؤامرة كونه «مش قدها» وإن شاء الله لا يكون جزءا من المؤامرة».
وفي غضون أيام، وفي بحر هذا الأسبوع، يصدر عن رؤساء الحكومات السابقين (ميقاتي، السنيورة، سلام والحريري) موقف مهم مما يجري على أكثر من مستوى حكومي وإداري ومالي.
وجرى التباحث في الخطوط العريضة لهذا الموقف في الاجتماع الذي عقدوه في بيت الوسط بدعوة من الحريري، على أن يتولى الرئيس السنيورة وضع مشروع بيان يلحظ النقاط والعناوين المتفاهم عليها، وبعد الوقوف على ما سيصدر عن الحكومة من قرارات وتوجهات.
علاقة رئيس الحكومة حسان دياب مع طائفته وموقف مرجعياتها السياسية والدينية منه، ستبقى المشكلة الأولى التي يواجهها دياب والثغرة الأساسية في وضعه.
المشكلة بدأت منذ اليوم الأول في التشكيك بميثاقية دياب كونه ليس «الرجل القوي» في طائفته ولا كتلة له في مجلس النواب تحمي دوره، ولا يحظى بتأييد طائفته وتفويض منها، ويجد نفسه مضطرا لتنفيذ توجيهات بري وحزب الله ورئيس الجمهورية.
كثيرة هي الانتقادات والاتهامات التي تساق في أوساط المستقبل خصوصا والقيادات السنية بشكل عام، وتراكمت وتسارعت وتيرتها في الفترة الأخيرة:
- التعيينات المالية التي «طبخها» مع النائب جبران باسيل وطالت موقعين سنيين: نائب حاكم مصرف لبنان الثالث، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف.
وإن صار الى تجاوز هذا القطوع، إلا أنه انطوى على مؤشر الذهاب الى زعزعة نفوذ الحريري والمستقبل في «الدولة العميقة»، وإطاحة الحصانات المذهبية والطائفية والسياسية لرجالاته الممسكين بمفاصل أساسية ومراكز عليا، ويعملون وفق منظومة متناسقة مع «السياسة الحريرية».
- استهداف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بكمية من التهديدات والاتهامات، ومن خلاله استهداف القطاع المصرفي، وكأن دياب في تعامله مع سلامة ينفذ «أمر عمليات»، فمن المستغرب استعماله عبارة «مريب»، ومخاطبة حاكم مصرف لبنان لا تعقل أن تتم بهذه الطريقة التي لا تليق بمستوى رئيس حكومة. وبالتالي، الانتقاد ليس من باب الدفاع عن سلامة بقدر ما هو من باب الحفاظ على موقع و«هيبة» رئيس الحكومة.
- إعداد مشاريع قوانين مكافحة الفساد التي تقدمت فجأة على ما عداها من أولويات الحكومة، وخصوصا خطة الإنقاذ المالي والاقتصادي التي تشكلت الحكومة على أساسها.
وهذه المشاريع تستحدث آليات قانونية تتجاوز في مفاعيلها وتأثيرها السلطة القضائية القائمة ودورها، وتحمل في طياتها نوايا مبيتة لكي تكون أداة في يد السلطة وتستعملها في الهيمنة على مفاصل ومقدرات الدولة، وتطلق يدها في إقصاء خصومها ومعارضيها السياسيين وتصفية الحساب مع من يقف عائقا في مواجهتها.
- حرف الحكومة عن المهام التي تشكلت على أساسها وتوجيهها باتجاه تغيير في مرتكزين أساسيين للبنان: القطاع المصرفي والسلطة القضائية.
مصحوبا بتدخل متزايد لحزب الله في مسار شؤون الدولة.
هذا التوجه يترافق مع ممارسات وأعراف مستحدثة وتجاوزات تهدد الصيغة السياسية القائمة في البلد وتقوض دستور الطائف وتضرب التوازنات الطائفية والسياسية، بما في ذلك دور وصلاحيات رئاسة الحكومة والمكونات السياسية داخل الطائفة السنية.
هذه «المضبطة الاتهامية» التي يوردها المستقبل ورؤساء الحكومات السابقون تحاصر دياب وتثقل كاهله السياسي، بعدما تبلور مناخ جديد داخل الطائفة السنية أكثر سلبية ورفضا لرئيس الحكومة الآتي صدفة، وتأكد للقيادات السنية أن دياب ينسق ويتعاون مع عون وباسيل وينفذ تعليمات حزب الله ويتبنى النظرية التي تحمل «الحريرية السياسية» التي حكمت لفترة ثلاثين سنة مسؤولية الفساد والأزمة الاقتصادية والانهيار المالي في البلد، مع ما يعنيه ذلك من تبرئة لحزب الله ومن إضعاف للطائفة السنية.
وليس صحيحا كما يقول نائب في كتلة المستقبل إن رؤساء الحكومات بعدم دعمهم لدياب يدفعونه الى أحضان حزب الله، فهو موجود عند حزب الله من الأساس، والحزب هو الذي صنعه واخترعه وجاء به الى رئاسة الحكومة ويدعمه بكل قوة ومرتاح لأدائه ومواقفه وحدده «خطا أحمر».
ويضيف: «لو لم يكن من «كورونا» لكانت الضغوط على دياب جاءت من الشارع أيضا ولم تقتصر على القيادات السياسية، فالفرصة أو فترة السماح التي أعطيت له انتهت، و«كورونا» هي التي تمدد هذه الفترة ولا شيء آخر.
وباستثناء ملف «كورونا» الذي نجحت فيه الحكومة، فكل الملفات الأخرى فشلت فيها، والأزمة الاقتصادية الاجتماعية بدأت بالانفجار في الشارع».