إطلالة الأمین العام لحزب لله السید حسن نصرلله، رغم ما احتوته من فائض سیاسي مع تطرقھا الى قضایا الساعة ومجمل المشاكل الداخلیة لم تكن الحدث السیاسي المھیمن... لقاء "غسل القلوب" بین الرئیس نبیه بري ورئیس الحكومة حسان دیاب في عین التینة، ورغم توقیته الحساس بعد الجلسة التشریعیة الساخنة وقبل إجتماع بعبدا البارد، وبعد إقرار الحكومة الخطة الإصلاحیة الإنقاذیة وقبل التوجه الى صندوق النقد الدولي لمفاوضته، ھذا اللقاء لم یكن الحدث السیاسي الأول أیضا... بكل بساطة كانت زیارة الزعیم الدرزي ولید جنبلاط الى قصر بعبدا ھي الحدث السیاسي رقم واحد، لیس فقط لأن ھذا اللقاء فاجأ الجمیع، حلفاء جنبلاط قبل خصومه، ومن حیث لا یتوقعون، ولیس لأنه یفتح صفحة جدیدة في كتاب العلاقة بین جنبلاط والرئیس میشال عون، علاقة متقلبة غیر مستقرة ولا یمكن الركون إلیھا... ولیس لأنه جاء معاكسا لمسار سیاسي بعد أسابیع من توتر شدید وارتفاع لھجة التخاطب وتلبدّ الأجواء في الجبل.
ربما یعود أمر الإھتمام بزیارة جنبلاط الى قصر بعبدا أكثر من أي شيء آخر الى التوقیت السیاسي لھذه الزیارة عشیة إنعقاد الإجتماع الحواري في قصر بعبدا لرؤساء الكتل والقیادات السیاسیة، سواء كان ھذا التوقیت متعمّدا أو حصل عن "طریق الصدفة"... فقد كان الأمر كافیا لكشف التموضع السیاسي الخاص لجنبلاط وأن لدیه حساباته ومصالحه التي جاھر بھا، متنصلا من أي مشروع لتحالف ثنائي أو ثلاثي (مع إحترامه للرئیس الحریري والدكتور جعجع)، ونافیا أي توجّه أو مشروع لدیه الى إسقاط الحكومة، لا بل عبّر عن قناعته بأن وجود الحكومة ضروري جدا في ھذه المرحلة المثقلة بكمّ ھائل من المشاكل الاقتصادیة والإجتماعیة والتي لا تحتمل مزیدا من إضاعة الوقت... كما كانت ھذه الزیارة كافیة لتحسین وضع الرئیس عون وتسجیله نقطة سیاسیة ثمینة عشیة إجتماع قصر بعبدا، لمجرد أن أدى الإجتماع مع جنبلاط الى "تحییده" والى حشر الرئیس سعد الحریري وإظھاره معزولا والوحید خارج "اللعبة"، والى "إستفزاز" جعجع وإعطائه سببا إضافیا للحضور.
مع أن الأنظار إتجھت الى ھذه الناحیة، والإھتمام تركز على الربط الزمني والسیاسي بین الزیارة والإجتماع في قصر بعبدا، إلا أن لقاء عون جنبلاط لم یكن "سیاسیا" ولا یعُد "نقطة تحوّل"، وتأكد أن مضمونھ والدافع المباشر إلیه یتعلق بالوضع في الجبل وأمنھ السیاسي، وأن الخطوة الأولى جاءت من الرئیس عون الذي ساءه الإحتقان الحاصل في الجبل وتلقى شكاوى ونصائح شخصیات مسیحیة "وازنة" في الشوف زارته ووضعته في أجواء ما یجري من توتر مسيء الى أجواء المصالحة والعیش المشترك، وعبّرت ھذه الشخصیات عن رأیھا في ضرورة إجراء مراجعة شاملة للموقف في الجبل ووقف محاولات إستفزاز جنبلاط ومحاصرته... ووفق المسار الإنحداري في العلاقة الذي كان بدأ منذ حادثة قبرشمون الشھیرة عندما وُجّه الإتھام الى جنبلاط بأنه كان یرید إغتیال جبران باسیل.
الرئیس عون الحریص على أمن الجبل واستقراره السیاسي والأمني، تجاوب مع "سعاة الخیر" وأوفد رئیس غرفة الأوضاع في القصر الجمھوري العمید ولسون نجیم الى كلیمنصو للبحث مع جنبلاط في توترات الجبل ووجوب معالجة الحساسیات الموجودة، ولإبلاغه أن الرئیس عون لا یقبل بأجواء الشحن القائمة ویجب ضبط الخطاب وانعكاسه على الشارع من خلال تواصل مباشر... سُئل جنبلاط عن رأیھ في عقد لقاء، فأجاب من دون تردد: "لا مانع، وأنا ضد القطیعة"... وسُئل إذا كان یرید لقاء سریا أم علنیا، فأشار بضرورة أن یكون علنیا. تواصل جنبلاط مع حلفائه لوضعھم في أجواء اللقاء.
ذھب متأبطا ملفات الجبل والعلاقة مع التیار الوطني الحر والتعیینات في المراكز التي تخص الطائفة الدرزیة... عرف كیف یخطف الأضواء وكیف یكون براغماتیا مع إبقاء سقفه السیاسي منخفضا لا یتجاوز "تنظیم الخلاف" العنوان نفسھ الذي وضعھ لعلاقتھ مع حزب لله.
جنبلاط توصل الى قناعة بأن لا مصلحة له في مخاصمة العھد ومحاربته... وعون توصل الى قناعة بأن لا مصلحة ولا إمكانیة لتجاوز جنبلاط في الجبل وخوض معركة معه.
وعلى ضوء ھاتین القناعتین، أقله في ھذه المرحلة، إنعقد لقاء بعبدا، فإلى متى تستمر مفاعیله؟!