لا ینُظر الى إجتماع قصر بعبدا من زاویة تقییم نتائجھ وتأثیره العملي على خطة الحكومة الإنقاذیة ومسارھا التطبیقي، وإنما من زاویة الدلالات السیاسیة والمعنویة التي یحملھا والھدف المزدوج المحدد له: من جھة، إبراز الدور المرجعي لرئاسة الجمھوریة في قیادة ورعایة عملیة الإنقاذ واستعادة زمام المبادرة الوطنیة... ومن جھة ثانیة، تحصین خطة الحكومة وتأمین الغطاء والحمایة لھا سیاسیا ونیابیا، لأن إقرارھا في مجلس الوزراء ھو بدایة المطاف ولیس نھایته، وھناك الكثیر من المطبات والعقبات إذا لم تتوافر من الآن شبكة أمان سیاسیة... ولأن الوضع السیاسي یعاني من التوتر وعدم الإستقرار وینعكس شغورا في مقاعد القیادات السیاسیة، فقد تطلب الأمر تحصین إجتماع بعبدا وتأمین الحد الأدنى من نجاحه.
وھذا ما تحقق الى حد كبیر نتیجة الحركة الإلتفافیة الداعمة التي رعاھا حزب لله، وترُجمت لقاء في قصر بعبدا بین عون وجنبلاط، ولقاء في عین التینة بین بري وباسیل.
ومن الواضح أن حزب لله لعب دورا فاعلا ومؤثرا في الدفع باتجاه التھدئة السیاسیة ودعم الخطة الحكومیة.
وھذا كان فحوى إطلالة السید حسن نصرلله في الفترة الواقعة ما بین إقرار الحكومة لخطتھا واجتماع قصر بعبدا، وأھم ما كشفته ھذه الإطلالة من بین قنابل دخانیة شملت المصارف والودائع وغلاء الأسعار، موافقة حزب لله على التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وإن جاءت الموافقة مغلفة بشروط سیاسیة.
فمن الواضح أن حزب لله یبذل جھدا سیاسیا ومعنویا من أجل تأمین دعم للعھد وتعویم حكومة دیاب وتغطیة الخطة الاقتصادیة، ویرفض حشرھا بمھلة المئة یوم كمبرر للدعوة الى إسقاطھا.
ویعرف الحزب مخاطر الإشتباك بالشارع، ویدرك جیدا أن ھذه الحكومة أقصى ما یمكن أن یحققه سیاسیا وأنھا قد تكون آخر حكومة للعھد، ومن بعدھا سیخضع الجمیع لشروط داخلیة وخارجیة من الممكن أن تؤدي الى إعادة تركیب السلطة في لبنان... وما بعد حكومة حسان دیاب سیكون مختلفا كلیا عما قبلھا.
وإذا كان إجتماع بعبدا یعاني من ثغرة أساسیة ھي إفتقاره الى "میثاقیة سنیةّ" إذا صحّ التعبیر مع مقاطعة الرئیسین سعد الحریري ونجیب میقاتي (السنیورة وسلام خارج البرلمان)، بحیث لا یكفي وجود الرئیس حسان دیاب والنائب فیصل كرامي لتعویض ھذا النقص، یمكن القول بالمقابل إن غیاب الرئیس سعد الحریري لم یكن له الوقع القوي ولم یحُدث الفراغ الكبیر بعدما ساھم موقفا بري وجنبلاط في "تطویق" خطوة الحریري التي لم تكن خطوة في محلھا بقدر ما شكلت "دعسة ناقصة".
فزیارة جنبلاط الى قصر بعبدا أحدثت خرقا في موقف المعارضة، ومشاركة بري بحماسة في إجتماع بعبدا كان كافیا لنفي أن یكون الإجتماع تعدیا أو تطاولا على عمل المجلس النیابي، ولدحض الحدیث عن عدم دستوریة الإجتماع ذات الطابع السیاسي ولیس البرلماني.
حشد الدعم لخطة الحكومة یوازیھ حشد الدعم الدبلوماسي الدولي.
والإجتماع الذي ترأسه دیاب في السراي الحكومي لا یقل أھمیة عن الإجتماع الذي یترأسه عون الیوم في قصر بعبدا. في إجتماع السراي توجھ دیاب الى سفراء وممثلي المنظمات الإقلیمیة والدولیة بالقول إن لبنان في وضع حرج وھو بأمس الحاجة الى أصدقائھ، الآن أكثر من أي وقت مضى... فیما تولى وزیر المال غازي وزني شرح خطة الحكومة وتوضیح أنھا تتضمن ركائز أساسیة:
- أولا: فیما یتعلق بموضوع إصلاح المالیة العامة ھدفھا خفض العجز في المالیة العامة من ٥,٣ % من الناتج المحلي العام ٢٠٢٠ الى ٠,٧ % من الناتج المحلي عام ٢٠٢١.
- ثانیا: في الدعم الخارجي لبنان یحتاج ما بین فترة ٢٠٢٠ و ٢٠٢٤ ، حوالي ٢٨ ملیار دولار، منھا بین ٩ و ١٠ ملیار دولار متوقع من المؤسسات المالیة الدولیة وأخرى سنحاول بمؤتمر "سیدر" والصنادیق الأخرى.
- ثالثا: في ما یتعلق بسیاسة سعر الصرف أو السیاسة النقدیة، فالحكومة أو الورقة تعتمد سیاسة سعر الصرف المرن في المرحلة القادمة.
- رابعا: فیما یتعلق بإعادة ھیكلة الدین العام، سیتم بشكل متوازي بالدین باللیرة اللبنانیة والدین بالعملات الأجنبیة، وھدف الخطة خفضالدین للناتج المحلي من ١٧ % الى ٩ %.
- خامسا: إعادة ھیكلة القطاع المالي ویتضمن في الوقت نفسھ إعادة ھیكلة مصرف لبنان وإعادة ھیكلة القطاع المصرفي، وھدفھا بالتمام ھو إستعادة الخسائر المتراكمة على القطاع المالي.
- سادسا: إصلاحات بنیویة ھدفھا بشكل رئیسي تحفیز النمو الاقتصادي وتطویر النظام الاقتصادي القائم حالیا من نظام ریعي الى نظام إنتاجي.
المداخلات الدولیة خلال الإجتماع أظھرت إھتماما بخطة الحكومة كخطوة أولى عملیة في الإتجاه الصحیح، ولكنه إھتمام مقرون بحذر وتحفظ من أبواب عدة:
- وضع الكرة في ملعب الحكومة، حتى تجري المفاوضات مع صندوق النقد، فھو الجھة الصالحة لحصول لبنان على قروض مالیة. (السفیر الفرنسي برونو فوشیه).
- یوجد الكثیر من الأفعال التي على الحكومة أن تقوم بھا على الصعید المحلي. (سفیر الاتحاد الأوروبي رالف طراف).
- الولایات المتحدة ترحب بطلب المساعدة من الصندوق، والصندوق ینتظر الشفافیة.. ولكن ھناك مجالات أخرى ضمن خطتكم الاقتصادیة یمكن إعادة النظر فیھا. (السفیرة الأمیركیة دورثي شیا).
- الخطة تتطلب دعما سیاسیا داخلیا ومجتمعیا من كل الأطراف والفئات، وعلى الحكومة إتخاذ القرارات الصعبة بمھلة زمنیة سریعة على صعید الإصلاح. (سفیر بریطانیا كریس رامبلینغ).
- عملیة التنفیذ ستكون محفوفة بالتحدیات، ونحن نقدم المساعدات الفنیة من خلال إدارة الدین على صعید الحوكمة وإصلاحات الكھرباء ومناخ الأعمال. (كومار – البنك الدولي).