أركان المعارضة الجدیدة من رؤساء الكتل النیابیة، لم تكن مقاربتھم واحدة ومتشابھة ل"لقاء بعبدا" الإستثنائي الذي انعقد أمس بجدول أعمال من بند واحد "خطة الحكومة"... كنا أمام خمسة نماذج مختلفة للموقف وطریقة التعاطي مع ھذا اللقاء:
* سعد الحریري قرر من اللحظة الأولى مقاطعة اللقاء بالكامل وعدم إیفاد من یمثلھ. لم یتردد ولم یتأخر في اتخاذ ھذا الموقف لأنھ لا یتصوّر نفسھ جالسا عن یمین حسان دیاب، ولأن علاقتھ مع رئیس الجمھوریة مقطوعة منذ تشكیل الحكومة الجدیدة.
* نجیب میقاتي كان میالا منذ البدایة الى المشاركة غیر المباشرة وإیفاد من یمثلھ، وقرر كرئیس لتكتل وسطي مستقل أن یوازن بین الموقف السیاسي المعارضللعھد والحكومة، والموقف الوطني الملتزم بالحوار والتعاون... ولكن في النھایة كانت مقاطعة میقاتي للقاء لأن الدعوات شخصیة ولا تتیح تسمیة ممثل أو بدیل.
* سامي الجمیل كان متریثا ومتأنیا في إعلان موقفھ الذي رسا على المقاطعة، مع تبریر سیاسي لھذا الموقف المبدئي المبني على عدم جدوى أي خطة في ظل سیطرة حزب لله على البلد... وھذا الموقف كان متوقعا إنسجاما مع سیاسة حزب الكتائب الذي لم یصوّت ل"عون رئیسا"، ولم یشارك في أي من حكومات العھد.
* ولید جنبلاط شارك "على طریقتھ" بأن زار قصر بعبدا عشیة اللقاء معتذرا عن الحضور لأسباب صحیة (ولیس سیاسیة)، وواعدا بتحویل ملاحظاتھ المكتوبة على خطة الحكومة... زیارة جنبلاط الى قصر بعبدا كانت مفاجئة ومعاكسة لمسار ومناخ علاقتھ مع الرئیس عون، وأیضا كانت كافیة لإحداث خرق في موقف المعارضة النیابیة ولمد لقاء بعبدا بجرعة دعم وغطاء درزي.
* سمیر جعجع الذي أبقى قراره طي الكتمان حتى اللحظة الأخیرة (لیس فقط لأسباب أمنیة وإنما أیضا لأسباب تكتیكیة وإضفاء طابع المفاجأة والمباغتة وخطف الأضواء...)، قرر المشاركة في لقاء بعبدا حتى لو تطلب الأمر حضوره شخصیا، وأن یكون الوحید على الطاولة من خارج فریق ٨ آذار... في الشكل خرق جعجع المشھد الذي لولاه لكان مقتصرا على لون سیاسي واحد... والمفارقة ھنا أن خرقا آخر حصل من جانب سلیمان فرنجیة الذي تمایز عن حلفائه ولم یلتزم بقواعد الإنضباط والإصطفاف الیساسي.
ولكن كان حضور جعجع كافیا للتقلیل من شأن غیاب فرنجیة تماما مثلما كانت زیارة جنبلاط الى القصر كافیة للإلتفاف على موقف الحریري الذي ینظر الى ما فعلھ جنبلاط وجعجع بعین عدم الرضى وعدم الإرتیاح.
قرر جعجع المشاركة في لقاء بعبدا، ولكنھ قرر أیضا "تبریر" وتوضیح ماھیة وطبیعة ھذه المشاركة ووضعھا في إطارھا: المعارضة من داخل المؤسسات بما یعني قطع الطریق على أي تفسیرات وتأویلات تذھب باتجاه البناء على ھذه الخطوة واتخاذھا مؤشرا الى إعادة تموضع أو مراجعة حسابات.
سجل جعجع إعتراضھ على خطة الحكومة وعلى البیان الصادر عن المجتمعین. إعتلى منبر قصر بعبدا واتخذ منه منصة سیاسیة لتوجیھ رسائل وشرح موقفھ "المتفھم" لعدم مشاركة أصدقائه في المعارضة، "المرحب" بخطة الحكومة ولكنھ ترحیب مشروط ومقرون بالدعوة الى تحسین الواقع المثقوب وتغییر الأداء والشروع بخطوات عملیة باتت معروفة في نطاقھا وطبیعتھا (الكھرباء المعابر غیر الشرعیة آلاف الموظفین غیر القانونیین...)، وحاملا معه ورقتین إحداھا تتحدث عن خطوات جوھریة إصلاحیة، والثانیة عن ملاحظات حزب القوات اللبنانیة حول خطة الحكومة.
مما لا شك فیھ، وباعتراف معظم المراقبین، أن جعجع كان نجم لقاء بعبدا. دخل بھدوء ولكن دخولھ أحدث ضجة...
مشى وجلس وحیدا ولكن الأضواء سُلطِّت علیه... مارس "التباعد السیاسي" عن خصومه، وعن حلفائه... والأھم من كل ذلك أن مشاركتھ، أیًا تكن خلفیاتھا وأھدافھا، ترتبت علیھا معانٍ ونتائج سیاسیة:
- أظھرت عدم إكتمال الظروف والمقوّمات لقیام جبھة سیاسیة معارضة ما زالت تسودھا فروقات في مقاربة الأوضاع والمبادرات.
- أكدت على سیاسة التمییز والفصل التي یعتمدھا جعجع بین رئاسة الجمھوریة كموقع ودور، ومجمل الأوضاع والعلاقات، فلا مقاطعة لمبادرة ودعوة تصدر عنھا مھما بلغ الخلاف مع رئیس الجمھوریة واشتد.
- وفرت "غطاء مسیحیا" للقاء بعبدا الذي لا یكفیھ حضور رئیس التیار الوطني الحر جبران باسیل وحضور فرنجیة لو حصل... بھذا المعنى تكون مشاركة جعجع شكلت خطوة إیجابیة ومؤشر إستعداد للتعاون والإنفتاح والمھادنة.
السؤال: ھل یتلقف العھد ھذه الإشارة السیاسیة ویلاقیھا في منتصف الطریق؟! وھل إن اللقاء بین عون وجعجع الذي لم یحدث أمس على ھامش اللقاء الحواري وبحجة ال"كورونا" سیحصل لاحقا أم لن یحصل أبدا؟!