الوضع والمشهد في لبنان يعود 15 عاما الى الوراء.. ثمة أوجه شبه كثيرة بين الوضع السائد في العام 2020 والوضع الذي كان قائما في العام 2005.. في تلك المرحلة، نهاية الحقبة السورية في لبنان، طرحت مسألة القرار ١٥٥٩ والوصاية والنظام الأمني، وحصل انقسام وطني سياسي حاد بين معسكري 8 و14 آذار، وساد تشنج شيعي سني في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والخروج السوري، وحصلت انتخابات نيابية في ظل تحالف رباعي، واشتدت الضغوط على عهد الرئيس إميل لحود.. في المرحلة الحالية، يعاد طرح القرار 1559 وسلاح حزب لله الذي نجح في ملء الفراغ السوري، ويحصل انقسام وطني وسياسي حول خيارات أساسية واستراتيجية، مثل تغيير مهمة «اليونيفيل» وترسيم الحدود البحرية و«قانون قيصر»، وخيارات لبنان وعلاقاته الخارجية ونظامه الاقتصادي.. أفضت التطورات الدراماتيكية عام 2005 على إيقاع «اغتيالات سياسية» مرعبة الى «حوار وطني» في ساحة النجمة مطلع العام 2006.. وتوصل التطورات الدراماتيكية هذا العام على إيقاع «أزمة مالية اقتصادية مرعبة» الى «لقاء وطني» في قصر بعبدا.. رئاسة الجمهورية لم تطلق على الدعوة الرئاسية تسمية «مؤتمر الحوار» وإنما «اللقاء الوطني»، وخفض التسمية يعني حكما خفض سقف التوقعات..
الدعوة الى هذا «اللقاء» والرعاية له «رئاسية». وأما الجهة الأكثر حماسة له وحرصا على إنجاحه فهي «شيعية»، ويبدو أن «فكرة الحوار» انبثقت من الثنائي الشيعي الذي هاله حجم الضغوط التي تحاصر الوضع اللبناني على وقع المواجهة الأميركية الإيرانية، وحجم انزلاق الشارع الى فتنة شيعية ـ سنية على وقع الأزمة الاقتصادية الاجتماعية.. وقد تبلورت قناعة لدى هذا الثنائي («أمل» وحزب الله) بضرورة إيجاد وحدة وطنية لمواجهة المخاطر المحدقة وتأمين أوسع مشاركة ممكنة، بعد التجربة المخيبة للآمال في الأشهر الماضية، وحيث بات الحوار بمثابة تغطية لموقف الحكم الذي بات اليوم أقرب الى «اللون الواحد» في مواجهة الولايات المتحدة وشروطها التي تترجم في السياسة والاقتصاد.. وهذا ما يفسر إصرار الرئيس نبيه بري على إنجاح اللقاء وتأمين مشاركة جامعة فيه، الى حد أنه أعلن الاستنفار وأدار محركاته السياسية بأقصى طاقتها، ونجح في إقناع وليد جنبلاط بسهولة وفي استمالة سعد الحريري بالحضور وفي تليين موقف سليمان فرنجية.
مقابل الحماسة الشيعية، ثمة برودة سنية واضحة في مقاربة هذا اللقاء والتعاطي معه بحذر شديد، لأسباب كثيرة: هناك أولا العلاقة السيئة مع الرئيس ميشال عون المتهم باستحداث أعراف وممارسات تضيق على رئاسة الحكومة وتحد من صلاحياتها وتغير في روحية الطائف، والرئيس فؤاد السنيورة مثلا مقتنع بأن هدف الحوار هو «تبييض» ساحة وموقف حزب الله ورئيس الجمهورية وجبران باسيل، وهناك مشكلة الرئيس حسان دياب وموقعه في معادلة الحوار بين أقطاب سياسيين لا يجاريهم في حيثيتهم في القرار السياسي والشعبي.. وهناك الجدوى السياسية والوطنية من هكذا لقاء.. فالرئيس نجيب ميقاتي مثلا، لا يرى فائدة لحوار من دون رؤية واضحة وجدول أعمال محدد، وإلا سيكون لقاء للاستعراض ولـ «الصورة»، وسيحبط اللبنانيون أكثر مما هم محبطون.
التساؤلات في أوساط الحكومات السابقين كثيرة: الحوار حول ماذا؟! ما الأسباب الكامنة وراء الدعوة لهذا اللقاء؟! وهل من جدول أعمال له؟! وما المواضيع التي ستبحث، ومن يتولى الإعداد لها ليأتي اللقاء بنتائج مثمرة؟! تساؤلات لا تدفع الى اتخاذ قرار مقاطعة اللقاء، وإنما هناك توجه الى التريث ودرس الموقف من كل جوانبه قبل اتخاذ القرار النهائي يوم الاثنين. ما اتفق عليه رؤساء الحكومات أن يكون موقفهم موحدا: إما المشاركة سويا أو الاعتذار سويا، والخيارات قيد التداول والمناقشة هي:
٭ «المشاركة المشروطة» بإدراج بنود أساسية على جدول أعمال اللقاء، مثل الاستراتيجية الدفاعية، والمعابر الحدودية، وسياسة النأي بالنفس.
٭ المشاركة الهادفة الى الحصول على ضمانات أمنية سياسية حول أمن المدن والأحياء السكنية منعا للانزلاق الى الفتنة.
٭ المشاركة المختصرة بممثل عن رؤساء الحكومات، ويمكن أن يكون الرئيس سعد الحريري، أو في حال اعتذاره (وفشل محاولة جمعه مع عون قبل اللقاء) تكليف الرئيس نجيب ميقاتي مهمة حمل الموقف السني الى طاولة اللقاء.
٭ المقاطعة في حال لم تتوافر تطمينات وإيضاحات كافية، وحتى لا يأتي اللقاء بنتائج عكسية وارتدادات سلبية أكبر في الشارع السني، على أن يتم إعلان هذا الموقف ببيان شديد اللهجة وعالي السقف.