بيروت - عمر حبنجر: «اللقاء الوطني» في بعبدا فرصة عبرت في هذا الخضم السياسي اللبناني من دون أن تترك أثراً يوازي الآمال التي علقها عليها من كتبوا وأخرجوا وأنتجوا هذا اللقاء الأحادي اللون. وجاء الرد عليه سريعا في الشارع.
فرصة إعادة مد الجسور بين الرئيس ميشال عون وخصومه التقليديين أو الجدد كانت محط رهان حلفائه، الظاهرين أوالمستترين، وفي الطليعة حزب الله والرئيس نبيه بري الذي بذل جهوده بناء على رغبة الرئيس عون، لكن الأجواء الشعبية المشحونة بالأزمات الاجتماعية الناجمة عن تفلّت سعر الدولار، وما استتبع ذلك من أزمات معيشية وتعليمية وصحية، وصولا الى المجاعة، التي أكد النائب جورج عدوان رئيس لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب وجودها في مناطق لبنانية .
مصادر متابعة رفضت تحميل رؤساء الحكومة السابقين، سعد الحريري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، جزءا من مسؤولية ضياع هذه الفرصة . وأشارت لـ«الأنباء» بأن الرؤساء السابقين يمثلون المدن اللبنانية التي تعرضت شوارعها ومتاجرها للتكسير والحرق قبل اسبوعين من قبل مجموعات عرفت بالاسم والتبعية، واعتقل 40 منهم في بيروت، واقل قليلا في طرابلس، ثم أفرج عن الذين أوقفوا في بيروت تباعاً، وطبيعي أن يلحق بهم بالإفراج موقوفو طرابلس.
كل ذلك عشية الدعوة الى اللقاء، التي بدت بالنسبة للمقاطعين أشبه بالدعوة الى بيت الطاعة، وهو ما لم يكن ليغفره لهم جمهورهم لو لبّوا الدعوة، وهذا الى حد ما كان في خلفية مقاطعة رؤساء الأحزاب المعارضة، من سمير جعجع الى سليمان فرنجية الى سامي الجميل، فهؤلاء كما رؤساء الحكومة السابقين، مشوا خلف جمهورهم الناقم، وليس العكس.
الرئيس سعد الحريري وصف لقاء بعبدا بلقاء «السيلفي» والحاضرين الذين معظمهم من لون واحد كانوا يتحاورون مع أنفسهم . وأكد أمام زواره أنه لم يعد وارداً لديه تقديم أي تنازل أو مسايرة مع العهد، لأن تيار المستقبل دفع أثمانا باهظة لإنجاح التسوية في السابق، إلا اننا اصطدمنا في نهاية المطاف بالحائط المسدود .
بدوره، تيار المستقبل رأى ان أخطر ما في بيان بعبدا، الانطلاق من بحث توافقي الى التأسيس لشيء ما في ظل تغييب كامل لاتفاق الطائف. وتساءل «المستقبل» عما إذا كان لقاء بعبدا اتخذ قرارا من جانب واحد بفتح الباب أمام تعديلات دستورية، بذريعة التطوير الواجب اعتماده في نظامنا السياسي، متهما الحكم والحكومة بالهروب من التصدي للمشكلاتنا المعيشية وجر لبنان الى حلقات جديدة من السياسات الخلافية التي تكرّس الابتعاد عن سياسة النأي بالنفس، وزجّه في مواجهة «قانون قيصر» الأميركي.
«القوات اللبنانية» أوضحت من جهتها أن موقفها الرافض للمشاركة في الحوار لم يأت عن عبث، بل بفعل التجربة المرة مع حكومة منحتها القوات فرصة، ربطا بحاجة البلد إلى الإنقاذ، لكنها لم تلتقط الفرصة سواء بسبب عجزها أو لكون قرارها السياسي خارجها أو في يد الأكثرية المتحكمة بمفاصل القرار. وكشفت مصادر القوات عن أن المطالبة بكف يد الفريق الحاكم مردها الوصول إلى الاقتناع بأن استمرار هذا الفريق على مقاعد السلطة يعني الانزلاق نحو الانهيار الشامل.
ومن هنا جددت القوات الدعوة إلى حكومة اختصاصيين تسرع بالإصلاحات دوريا وتفتح باب المساعدات الخارجية وتعيد التوازن إلى المالية العامة .
النائب القواتي السابق أنطوان زهرا لاحظ من جهته في كلمة الرئيس عون تبريرا للدعوة بالحفاظ على السلم الأهلي، علما انه لم يقنعنا بوجود خطر على السلم الأهلي، إذ يكفي للمجتمعين في بعبدا ألا يرسلوا أناسا للتخريب في الشارع حتى لا يكون هناك خطر على السلم الأهلي، وتوقف الوزير السابق روني عريجي (المردة) أمام الاستفزازات التي حصلت قبل لقاء بعبدا، معتبرا أن الحضور لم يكن على مستوى الأزمة، كما أن البيان الختامي لم يكن على مستوى الأزمة الاقتصادية والتحديات الشعبية وكأنها ليست موجودة، ومثلها الإصلاحات التي هي المدخل لأي حل.
والراهن أن البيان الختامي للقاء الذي أعده رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وتلاه على الإعلام الوزير السابق مستشار الرئاسة سليم جريصاتي، ركز على حماية السلم الأهلي الذي اعتبره الرئيس عون خطا أحمر استتبعه بربط الاستقرار الأمني بالاستقرار السياسي والمالي بدل العكس، ما يفسر تفاقم القبضة الحديدية والقمع ضد مظاهرات الاحتجاج وقطع الطرق والتي تعاظمت منذ البيان لتبلغ الأوج أمس، حيث قطعت معظم الطرق الدولية من بيروت وإليها، ومن بيروت إلى طرابلس وعكار مرورا بجونية، ومن بيروت الى البقاع، في عاليه والبقاع الأوسط، وبعلبك ، ومن بيروت الى الجنوب، في بلدة الجية ( مفرق برجا)، حيث حصلت مواجهة بين الجيش والمحتشدين وسجل وقوع إصابات من الطرفين. وفتحت الطريق التي تشكل الشريان الحيوي بين بيروت وضاحيتها الجنوبية والجنوب، لكن مصدرا في المجموعات المحتجة أكد لـ«الأنباء» أن هذا الطريق سيعاد اقفاله حتى سقوط الفاسدين الذين أوصلونا إلى حالة الجوع، وبالفعل بعد ساعة من فتحه أعيد إقفال الطريق .
والى جانب المطالب المعيشية للمحتجين، كانت هناك المطالبات بإطلاق الناشطين الموقوفين لدى الجيش في طرابلس وجونية وبيروت، والذين أوقف معظمهم بجرم التعرض لرئيس الجمهورية عبر هواء الشاشات ومواقع التواصل.
في غضون ذلك، أطلق حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة العمل أمس ما عرف بـ«المنصة الإلكترونية» للتداول بالعملات بين الدولار والليرة اللبنانية لدى الصرافيين عبر التطبيق الإلكتروني «صيرفيا»، وقد تأمنت السيولة للصيارفة على أساس سعر الصرف بحدود 3850 - 3900 ليرة . أما السعر الرسمي لدى المركزي والمصارف فيبقى 1515 ليرة للدولار الواحد، في حين يتحرك الدولار في السوق السوداء فوق الـ 7000 ليرة .
وفي هذا السياق تحدثت اذاعة (صوت لبنان) عن محاولة جرت خلال جلسة مجلس الوزراء التي أعقبت لقاء بعبدا مساء أمس الأول برئاسة الرئيس حسان دياب لإصدار قرار بدفع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى الاستقالة أو إقالته، إلا أن مداخلات عاجلة حالت دون الوصول إلى مثل هذا القرار .