بيروت - زينة طبارة
مع انطلاقة الحرب الأهلية في صيف العام 1975، تسابق رجال السياسة لتصدر شاشة تلفزيون لبنان الذي انقسم بفعل انقسام بيروت بين شرقية مسيحية وغربية إسلامية إلى قناتين: القناة 5 في الحازمية التي سيطر عليها الفريق المسيحي، والقناة 7 في تلة الخياط التي سيطر عليها الفريق المسلم، وراح كل من الفريقين يهاجم الآخر في سياق محاولاته لتأكيد قدسية دفاعه عن الطائفة والدين والمنطقة. ولأنهم وجدوا في الإعلام سلاحا أعتى من السلاح الحربي، ذهب كل من الأحزاب الى تأسيس إعلامه الخاص المكتوب والمرئي والمسموع، ليطل منه على جمهوره وقواعده الشعبية.
كانت الحرب الأهلية إذا حربين متوازيتين لا تقل الواحدة منهما خطورة عن الثانية، فالحرب العسكرية خلفت ما يزيد على مئتي ألف قتيل ما عدا الجرحى والمعاقين، ومئات آلاف المهجرين والمهاجرين، أما الحرب الإعلامية فقد حققت ما لم تحققه الحرب العسكرية، فهي إضافة الى أنها زرعت الحقد في نفوس اللبنانيين من خلال برامج سياسية مادتها الأساسية «دس السم في العسل»، أرست أواصر الانقسامات والاصطفافات حتى داخل الفريق الواحد.
هكذا تمكن رجال السياسة من الدخول الى كل بيت ودار ومؤسسة عابثين بعقول وأذهان الناس، مخلفين مجتمعا مفككا كل فرد فيه يعتبر زعيمه صاحب الحق ومصدر كل حقيقة. ومع انتهاء الحرب الأهلية باتفاق الطائف، لعب الإعلام في لبنان دورا أساسيا في ترشيد وتوجيه الصوت الانتخابي، لكسب أكثرية مقاعد مجلس النواب ضمن تحالفات هجينة غالبا ومتآلفة نادرا.
ومع سقوط لغة السلاح، باستثناء سلاح حزب الله الذي بقي وحيدا على الساحة اللبنانية تحت شعار «مقاومة العدو الإسرائيلي»، أصبح الملاذ الوحيد لرجال السياسة هو الإعلام المرئي بالدرجة الأولى والمسموع بالدرجة الثانية والمكتوب بالدرجة الثالثة، فراحت المحطات التلفزيونية والإذاعية تتسابق لاستضافة هذا الزعيم وذاك النائب والوزير، وبأضعف الأحوال مرشح من هنا ومتسلق للسلطة من هناك، علما أن في لبنان من وصل الى سدة الزعامة بمجهوده الخاص، ومن دخل جنتها من بوابة الإرث، ومن أسقط عليها بمظلة إما إقليمية وإما دولية.
ليس بالأمس البعيد كانت صولات وجولات السياسيين تحتل هواء وأعمدة الوسائل الإعلامية بحيث تبدأ مع ساعات الصباح الاولى ولا تنتهي تردداتها قبل ساعات متأخرة من الليل، وذلك ضمن برامج التوك شو السياسي التي تكثفت مع انطلاقة ثورة 17 أكتوبر، إما تأييدا ودعما لها وإما تخوينا ورفضا لأهدافها ومبادئها، علما أن ابرز مطالب الثورة احالة كامل المنظومة السياسية الى التقاعد تحت شعار «كلن يعني كلن» الذي لاقى رواجا واسعا في الوطن العربي وترددت أصداؤه في القارتين الأوروبية والأميركية، لكن ما بين لعبة الكر والفر الإعلامي وبين احتدام لغة الشارع مقابل شارع، شاء القدر ان يسجل أقوى إصاباته في لعبة البشر، فشكل الانفجار الهيروشيمي في مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الجاري وجها جديدا للاعلام المرئي والمسموع والمكتوب، بحيث امتنعت على اثره الوسائل الإعلامية عن استضافة واستصراح السياسيين توقفا عند هول المصيبة واحتراما لذوي الشهداء وللجرحى والمنكوبين، حتى ان الخطاب الأخير لامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله قاطعته غالبية الوسائل الاعلامية مكتفية برصد رسائله السياسية عبر قناة المنار العائدة لحزب الله، وذلك مرده الى تصاعد حقد الشعب على المنظومة السياسية عموما وعلى فريق السلطة خصوصا المتهم بمعرفته لما كان يختزنه العنبر رقم 12، فما بقي أمام السياسيين إضافة الى التغريدات التويترية، إلا المواقع الالكترونية العائدة إما لأحزابهم وإما لحلفائهم لإيصال رسائلهم والتعبير عن مواقفهم وآرائهم.
ساهم يوم الثلاثاء الأسود والمشؤوم في تسديد مسار الثورة، فحقق لها على الرغم من هول الفاجعة هدفا استراتيجيا ما كانت لتطاله، بحيث وضع الاطلالات الإعلامية للسياسيين في الإقامة الجبرية أقله الى حين أن تهدأ النفوس وتتبدل مشهدية المأساة التي عصفت ببيروت.
أما وقد سقطت حكومة دياب وبدأت رحلة البحث عن توافق سياسي حول شكل ومضمون الحكومة العتيدة، يبقى سؤال وحيد حير المستطلعين وسجلت الإجابات عليه كما كبيرا من المتناقضات، هل ستنجح الثورة في إبعاد المنظومة السياسية عن الحكم بمثل ما اسكت الانفجار إعلامها، أم أنها ستتراجع أمام مصلحة الطائفة والمذهب فتهوي على قاعدة «حافظ عقديمك جديدك ما بدوم»؟