بيروت - جويل رياشي
في كل مرة يطلب مجلس الوزراء اللبناني فرض الإقفال على المؤسسات والمرافق العامة في الدولة بداعي فيروس كورونا، ترتفع صرخة المستثمرين من أصحاب المشاريع، الذين يعانون مما يصفونه بـ«سنة كارثية».
من المستثمر الكبير الى صاحب «باب الرزق» المتواضع، يشكو هؤلاء من ضغط غياب تحصيل العائدات، مقابل الاستمرار في الإنفاق بين إيجارات وفواتير المولد الكهربائي وبدل أتعاب الموظفين وغيرها من الأمور، التي دفعتهم الى صرف النظر عن تحقيق أرباح.
جميع الشاكين يصرون على العمل وعدم الإقفال، منطلقين من «انها مرحلة ولابد ان تمر، لذا علينا الصمود للخروج بأقل الأضرار».
الا أن الأمور لا تسير كما يشتهي قسم منهم، اذ ان الإقفال الكامل للمؤسسات الخاصة يرهقهم، «ونحن الذين لم نأخذ جرعة أوكسجين منذ اندلاع احتجاجات 17 أكتوبر 2019 (غير المسبوقة في تاريخ البلاد)».
الكلام لموظف متقاعد من السلك العسكري، قرر الاستثمار في مطعم صغير على كورنيش بحري يشهد زحمة رواد بسبب إضاءته المستمرة بمصابيح الكهرباء.
يشكو الرجل الذي يتعاطى الشأن العام كونه أحد مخاتير بلدته «من فوضى الإقفال العشوائي»، ويصفها بـ«خطوات غير مدروسة بالنسبة الى فيروس كوني سيستمر ولن يتوقف.
وها هي البلدان الأوروبية أقلعت عن الإقفال، والحل يكمن في حملات توعية للمواطنين (...) لم أعد قادرا على تحمل الخسائر».
الأمر عينه يتكرر على لسان محمد اليمني أحد الشركاء في سلسلة مطاعم «بروس كافيه» المنتشرة في محافظة جبل لبنان، الذي يتحسر على توقيت قرار الإقفال (الأخير)، اذ كنا نعول على المباراة النهائية لمسابقة دوري أبطال أوروبا في كرة القدم لكسر حالة الجمود في شبكة المقاهي التي نديرها والتي اعتاد فرعنا الأول في منطقة الدكوانة استقبال زهاء 1500 شخص في مناسبات مماثلة.
بعض من المؤسسات السياحية أفلت من قرار الإقفال، مستفيدا من إدراج مؤسساته في خانة الفنادق.
وهذا القطاع يشهد زحمة رواد في فصل الصيف، بسبب إقبال اللبنانيين على السياحة الداخلية، التي باتت بوابتهم الوحيدة للترفيه في غياب ترف السفر، بسبب القيود النقدية التي تفرضها المصارف اللبنانية على الزبائن.
في هذا السياق، يروي ميلاد مدير أحد المطاعم التاريخية الشهيرة على الساحل اللبناني، عن تعرض بعض الزبائن الأثرياء للحرج جراء تحديد سقوفات للسحب من بطاقاتهم الائتمانية.
المرافق الأخرى التابعة لمالك المطعم حيث يعمل ميلاد تشتغل بطاقتها القصوى، لجهة وجود حجوزات تتخطى الشهر على الغرف.
«ونقدر لمالك المطعم تمسكه بفريق العمل كاملا، مع مراعاة توزيع أفراد الطاقم على المرافق التي يديرها، من دون الاستعانة بشبان وشابات في فصل الصيف كما اعتدنا سابقا».
فجأة تعطلت حركة المقاهي، التي كانت بدأت تستعيد أنفاسها مع سماح وزارة الداخلية للزبائن بتدخين «نفس نارجيلة».
إقفال وإطفاء لمصابيح الإنارة، وغرق في العتمة لواجهات هذه المرافق، أو بالأحرى لتلك التي أفلتت من الدمار والأضرار خارج العاصمة بيروت جراء الانفجار الضخم الذي هز العاصمة اللبنانية في الرابع من أغسطس.
البعض من المستثمرين يدخلون في حساب فارق الأسعار بين الأمس القريب وأيامنا هذه، مشيرين الى انخفاض عائدات التحصيل بالدولار الأميركي بسبب تراجع سعر الليرة اللبنانية أمام العملة الخضراء.
حجر منزلي تقتصر الفسحة فيه على خدمة الديليفري (أو السفري) من المؤسسات السياحية التي صمدت مصرة على فتح أبوابها.
ويترافق ذلك مع تعليق رواتب عاملات وعمال جراء الظروف القاهرة التي لم تعرفها المؤسسات السياحة في البلاد منذ حرب يوليو في 2006.
«الآتي قد يكون أعظم»، عبارة بدأ قسم كبير من اللبنانيين يرددونها، في ضوء معلومات عن نية مصرف لبنان وقف الدعم لأسعار المحروقات والدواء ومواد أساسية أخرى، بسبب وصول احتياطه من العملات الأجنبية الى «الخط الأحمر».
كل هذا والبلاد وجدت نفسها فجأة أمام دمار غير مسبوق جراء الانفجار الضخم، مع ما يعني ذلك من إنفاق للأموال على «تصليحات الحد الأدنى» في منازل المتضررين.
صمود على الطريقة اللبنانية، يذكر بما كانت الأمور عليه أيام الحروب العسكرية التي عرفها لبنان، وفرضت إقفالا متنقلا بين المناطق. في حين ان الإقفال الشامل يعم الآن في زمن سكوت المدافع.