بيروت - عمر حبنجر
في الحديث الشريف «لايلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»، الحريق الهائل الذي دمر المنطقة الحرة في مرفأ بيروت، ردت أسبابه المعلنة، الى شرارة انطلقت من منشار كهربائي، على غرار السبب المعطى للانفجار الكبير في المرفأ الذي حصل قبل نحو 40 يوما، والسؤال الذي يطرح نفسه، من هذا الذي يكرر الخطأ ذاته مرتين وفي نفس المكان والزمان تقريبا.
والجواب البديهي والتلقائي، ان من كرر فعلته ليس بمؤمن، لا بربه ولا بوطنه، طبعا هذا اذا سلمنا بفرضية «التلحيم»، والتي ليس لها ما ينفي ان تكون مجرد خدعة تضليلية، فمرفأ بيروت القائم منذ فجر التاريخ لم يحترق يوما، رغم الشرر الذي يتطاير دوما، من ورش بناء او توسعة مستودعاته الحديدية.
الحريق غطى بدخانه على موضوع تشكيل الحكومة، الذي بدأ يواجه عراقيل متوقعة، فالرئيس ميشال عون يريد من الرئيس المكلف مصطفى أديب ان يتشاور مع رئيس التيار الحر جبران باسيل، والرئيس نبيه بري الذي استهدفت العقوبات الأميركية اقرب المقربين اليه، النائب علي حسن خليل، يصر اكثر فأكثر على ابقاء حقيبة وزارة المال معه، او مع من يسميه لها، بينما المهلة المعطاة من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تنتهي الاثنين المقبل، والعين على موقف الرئيس المكلف، هل يقبل أم يعتكف؟
القبول، لا يبدو واردا، خصوصا بعد عودة الموفد الرئاسي اللواء عباس ابراهيم من باريس بلا نتيجة، حيث التقى اعضاء في خلية الأزمة اللبنانية التي شكلها الرئيس ماكرون، اذ تمسك الفريق الفرنسي، بمهلة تشكيل الحكومة التي تنتهي الأثنين، وبحجم الحكومة المختصرة وبمهمتها، وهناك من تحدث عن توافق على رفع العدد من 14 الى 16 وزيرا، ولكن ضمن المواصفات الإنقاذية التي يتمسك بها الرئيس أديب ومعه الرئيس الفرنسي، الذي هدد بالإنضمام الى مسار العقوبات الأميركية في حال استمرت العرقلات.
الرئيس السابق أمين الجميل رأى ان تكليف أديب، يشكل فرصة للبنان، شرط تحقيق أمرين، الأول تشكيل حكومة تعيد الثقة بالسلطة والقادرة على محاربة الفساد والشروع بالإصلاحات، والشرط الثاني ان تحظى الحكومة الجديدة بثقة المجتمع الدولي.
البطريرك الماروني بشارة الراعي، أكد على قوله بأن لبنان لا يمكن إلا ان يكون حياديا، وأضاف خلال لقائه وفدا من اللقاء الروحي الذي يضم رجال دين من مختلف الطوائف، «نريد دولة قوية بجيشها ودستورها، والحياد ليس ضد حزب الله».
وبالعودة الى حريق المنطقة الحرة فقد قامت عناصر الدفاع المدني بتبريد المكان امس منعا لتجدد اندلاعه، بعدما أحرق في طريقه مسرح الجريمة الأولى التي وقعت في الرابع من اغسطس ومعها ملفات الجمارك التي ظهرت لها صور مجموعة في ارضية أحد المستودعات قبل احتراقها.
وعلق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مغرد قائلا: خافوا من محقق جريء صاحب ضمير او من موظف نزيه وحي وهم كثر في هذه الإدارة المجرمة فأحرقوا الادلة، لكن لن تفلت هذه السلطة من العقاب، ولو بعد حين.
النائب المستقيل نعمة أفرام قال بدوره: حريق تلو الآخر في المرفأ، ما القضية؟ اذا كانت النار مفتعلة فهي حتما لاخفاء أمر ما، إن كان على مستوى التربة او البنى التحتية لمنع التحقيق من إجراء الاختبارات عليها للمزيد من الأدلة.
في هذا السياق يلوح في الافق ان ثمة من يبحث عن كبش محرقة لتحميله مسؤولية الحريق اهمالا على الاقل، ويتركز الاستهداف على الجيش الذي دعي قائده واركانه الى اجتماع مع رئيس الجمهورية بحضور الضباط المسؤولين عن المرفأ، الذين اصبح في عهدتهم منذ الانفجار الكبير.
صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: ان الثنائي الشيعي يسيطر بشكل شبه كامل على مرفأ بيروت، وان حزب الله يتمتع بقدرة فريدة على نقل البضائع من دون فحص بفضل شبكة منظمة تابعة له، وان ضباط الجمارك يفحصون الحاويات يدويا ويتقاضون رشاوى بشكل روتيني، للتوقيع على سلع غير مسجلة او مشبوهة.